نحو أفضل خمسة دوريات في العالم - د. سطام بن عبدالله آل سعد

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

د. سطام بن عبدالله آل سعد

انتهى دوري روشن السعودي هذا الموسم بعد سباق كروي طويل ومثير، أعلن دخول الكرة السعودية مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وتأثيرًا وحضورًا عالميًا. فقد تُوّج النصر باللقب بعد صراع امتد حتى الجولة الأخيرة، في موسم حمل كثيرًا من التقلبات الفنية والإعلامية والجماهيرية، وكشف حجم التحول الذي يعيشه الدوري السعودي بوصفه مشروعًا رياضيًا واقتصاديًا يتجاوز حدود المنافسة المحلية.

حمل الموسم كل عناصر الإثارة؛ من الجدل التحكيمي الواسع، والأخطاء الفنية المؤثرة، والنتائج غير المتوقعة، إلى التصريحات المثيرة لبعض النجوم والمدربين، والضغط الجماهيري والإعلامي المتصاعد الذي جعل كل جولة قريبة من أجواء المباريات النهائية. ومن هذا التوتر التنافسي اكتسب الدوري جانبًا كبيرًا من قيمته؛ فالدوريات الكبرى تُقاس بقدرتها على صناعة الجدل، وجذب الحضور، وإشعال الشغف، وتوسيع التأثير.

اللافت أن الدوري هذا الموسم قدَّم مفارقة كروية نادرة؛ إذ أنهى الهلال الموسم دون أي خسارة، ومع ذلك اكتفى بالمركز الثاني، بينما نجح النصر في حسم اللقب رغم تعرضه لعدة هزائم. كما برز نادي القادسية بصورة لافتة وقوية، عكست كفاءة القيادة الإدارية والفنية داخل النادي، وقدرته على بناء تجربة تستحق التوقف عندها. وهذا ما يجعل من تجربته نموذجًا جديرًا بالقراءة والاستفادة، خصوصًا للأندية التي تبحث عن طريق واضح يجمع بين التخطيط الجيد والاستقرار الفني والقدرة على المنافسة.

كما كشف الموسم أن دوري روشن تجاوز مرحلة الانبهار بالأسماء إلى مرحلة بناء مشروع كروي متكامل؛ فاستقطاب النجوم العالميين، واتساع الحضور الإعلامي الدولي، وتطور النقل التلفزيوني، وارتفاع الكثافة الجماهيرية في المدرجات، كلها مؤشرات تؤكد أن المملكة نجحت في صناعة منتج رياضي قادر على المنافسة عالميًا.

ومع هذا النجاح الكبير، تبرز الحاجة إلى وقفة تطوير شاملة قبل انطلاق الموسم المقبل، تبدأ من التحكيم بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في عدالة المنافسة. فالمطلوب بناء منظومة احترافية عالية الكفاءة، قادرة على مواكبة سرعة الدوري وقيمته المالية والإعلامية. كما تحتاج جدولة المباريات، وما يرتبط بها من مشاركات خارجية، إلى توازن أكبر يحفظ عدالة المنافسة، ويصون جودة الأداء البدني والفني للأندية.

أما الناقل التلفزيوني، فقد أصبح جزءًا أساسيًا من قيمة الدوري وحضوره العالمي؛ فدوري يستقطب هذا الحجم من النجوم والمتابعين يحتاج إلى تغطية أكثر حداثة وابتكارًا، من حيث جودة الإخراج، وعمق التحليل، وتنوع الزوايا الفنية، وتوظيف التقنيات البصرية، وتطوير البرامج المصاحبة. كما أن استقطاب محللين عالميين وخبرات إعلامية دولية سيمنح المنتج الرياضي السعودي بعدًا احترافيًا أوسع، ويعزِّز قدرته على الوصول إلى جماهير خارج المنطقة.

ومن أهم الملفات التي يجب التفكير فيها مستقبلًا ملف الاستدامة الفنية في التعاقدات الأجنبية؛ فبعض النجوم الحاليين قدّموا قيمة إعلامية وتسويقية كبيرة، غير أن عامل العمر يفرض على الأندية الانتقال إلى مرحلة أكثر نضجًا، تقوم على استقطاب لاعبين قادرين على العطاء طويلًا داخل الملعب. فالدوري القوي هو الذي يبني قيمة فنية مستدامة، ويرفع جودة المنافسة لسنوات قادمة، بدل الاكتفاء بأسماء لامعة قصيرة الأثر.

على المسؤولين في وزارة الرياضة ودوري روشن أن يدركوا أن الدوري يقف عند نقطة مفصلية؛ فقد تحوّل من مشروع محلي إلى مشروع عالمي، وستكون المواسم القادمة أكثر صعوبة مع ارتفاع سقف التوقعات، وبدء العالم في متابعة التجربة السعودية بجدية أكبر. وإذا جرى تصحيح الأخطاء الحالية، ورفع جودة التنظيم والتحكيم والإعلام والاستقطاب الفني، فإن الدوري السعودي مرشح خلال سنوات قليلة لأن يصبح أحد أهم خمسة دوريات في العالم، بوصفه قوة مالية وكروية وإعلامية واستثمارية متكاملة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق