في الثَّواني الأخيرة.. وُلِدَتْ رسالةٌ عالميَّة - د. سطام بن عبدالله آل سعد

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

د. سطام بن عبدالله آل سعد

مباراة الهلال والنصر، التي انتهت بالتعادل في الثواني الأخيرة، حملت رسالة رياضية وإعلامية واقتصادية واضحة، تؤكد أن الدوري السعودي دخل مرحلة جديدة من الحضور العالمي. فالمشهد بأكمله، من الحضور الجماهيري والزخم الإعلامي، إلى النجوم العالميين والإثارة الفنية مرورًا بالجدل التحكيمي والتفاعل الدولي، جعلها أقرب إلى ليلة كروية أوروبية كبرى من حيث الترقب والاهتمام والمتابعة.

وجود أسماء بحجم كريستيانو رونالدو، وياسين بونو، وثيو هيرنانديز، وروبن نيفيز، وسافيتش، وكريم بنزيما، ومالكوم، وبينتو مارتينيز، وبروزوفيتش، وكومان، وساديو ماني، وجواو فيليكس، وغيرهم من النجوم، منح المباراة قيمة عالمية؛ لأن الجماهير خارج السعودية تتابع أسماء اعتادت رؤيتها في ملاعب أوروبا الكبرى. وهنا تتضح نقطة مهمة جدًا، وهي أن دوري روشن انتقل من كونه مشروعًا محليًا إلى منتج رياضي عالمي قابل للتصدير والتسويق والتأثير.

ومن أهم الدروس التي كشفتها هذه المباراة أن «المباراة الكبيرة» أصبحت صناعة متكاملة، وليست تسعين دقيقة داخل الملعب فقط؛ فالإثارة بدأت قبل اللقاء بأيام عبر الإعلام والمنصات الرقمية، ثم انتقلت إلى الجماهير، وبلغت ذروتها داخل الملعب، قبل أن تستمر بعد صافرة النهاية في التحليل والنقاش والتفاعل العالمي. وهذا يؤكد أن كرة القدم الحديثة تقوم على صناعة تجربة كاملة للجمهور، لا على نتيجة المباراة وحدها.

لذلك، فإن الموسم القادم يحتاج إلى نقلة أكثر تكاملاً واحترافية في عدة مسارات مهمة:

أولًا: إدارة الزخم الإعلامي العالمي حول دوري روشن؛ فالاهتمام الخارجي بات واقعًا تقيسه طلبات التغطية الدولية. ووفقًا لتقارير إعلامية، تلقت رابطة الدوري السعودي للمحترفين طلبات من قنوات ومنصات عالمية ومؤثرين من البرازيل وإفريقيا والصين وفرنسا وإسبانيا لتغطية مواجهة الهلال والنصر ميدانيًا، وهو ما يؤكد أن المباراة تحولت إلى حدث رياضي يحظى باهتمام عالمي. وهذا يفرض التوسع في الشراكات الإعلامية العالمية، وإبرام اتفاقيات بث أوسع مع قنوات ومنصات دولية في أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية، مع توفير محتوى بلغات متعددة، وتنظيم وصول الصحافيين والمؤثرين، وبناء مركز إعلامي دولي دائم يحوّل كل مباراة كبرى إلى فرصة لتعريف العالم بالدوري وأنديته ونجومه ومدنه السعودية.

ثانيًا: استمرار استقطاب النجوم العالميين مع التركيز على القيمة الفنية والتسويقية؛ فالمطلوب هو التعاقد مع لاعب يصنع الفارق داخل الملعب، ويمنح الدوري قصة إعلامية قابلة للتسويق خارجه. كما أن الدوري يحتاج إلى توزيع أوسع للنجوم على أندية الوسط، لأن قوته الحقيقية تظهر عندما تصبح أغلب المباريات جذابة وصعبة ومتقاربة المستوى.

ثالثًا: دعم أندية الوسط والصاعدة فنيًا وماليًا وإعلاميًا؛ فالدوري القوي لا يقوم على ناديين أو ثلاثة فقط في الواجهة، بل على اتساع دائرة المنافسة وارتفاع جودة معظم الفرق. وكلما تحسن مستوى أندية الوسط، زاد عدد المباريات المثيرة، وارتفعت نسب المشاهدة والرعايات والحضور الجماهيري، وتعززت الاستدامة التنافسية للدوري.

رابعًا: إعادة جدولة الدوري وفق المنطق العالمي للمشاهدة؛ فبعض المباريات الكبرى يجب أن تُقام في أوقات تناسب الجمهور المحلي، وتراعي في الوقت نفسه الأسواق العالمية، خصوصًا في أوروبا وآسيا. فالجدولة الذكية صارت جزءًا مهمًا من اقتصاد كرة القدم الحديثة.

خامسًا: تطوير المنظومة التحكيمية وتقنيات الفار؛ فكلما ارتفعت قيمة الدوري عالميًا، زاد الضغط على الحكام، وأصبحت القرارات المؤثرة جزءًا من صورة المسابقة أمام الجمهور والإعلام. لذلك، فإن الاستثمار في حكام النخبة، وتطوير غرف الفار، ورفع مستوى الشفافية، وإظهار التسجيلات التوضيحية بعد المباريات، سيعزز الثقة، ويقلل الجدل، ويحمي صورة الدوري عالميًا.

ما حدث في تلك المباراة أكد أن السعودية تبني قوة ناعمة رياضية ذات تأثير عالمي. والمهم الآن هو الانتقال من مرحلة الحدث الكبير إلى مرحلة المنظومة المستدامة؛ بحيث تصبح الإثارة والجودة والتنظيم والحضور العالمي حالة مستمرة طوال الموسم، لا استثناءً يرتبط بمباراة معينة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق