سوق الموسم.. قلب الدرعية الغائب - د. سطام بن عبدالله آل سعد

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

د. سطام بن عبدالله آل سعد

حين نتحدث عن الدرعية التاريخية، فنحن أمام عاصمة دولة ومركز سيادة ومجتمع صنع اقتصادًا نابضًا وشبكة تجارية امتدت من قلب الجزيرة العربية إلى محيطها الإقليمي. ومن هنا، لا تكفي قراءة الدرعية من خلال مبانيها الطينية وواجهاتها العمرانية وحدها؛ فقد كانت حياة كاملة، بأسواقها وقوافلها وحرفها ومجالسها وتفاصيلها اليومية التي صنعت روح المكان وذاكرته.

وقد وصف ابن بشر ازدهار الدرعية في زمن الدولة السعودية الأولى وصفًا يدل على حجم التحول الذي عاشته؛ إذ أشار إلى أنها غدت من أقوى البلدان، وأن قوة أهلها وكثرة رجالها وأموالها بلغت حدًا عظيمًا. وهذا الوصف يشمل البعد السياسي، ويكشف في الوقت نفسه عن مدينة آمنة مستقرة مزدهرة اقتصاديًا، تتحرك فيها القوافل، وتنشط أسواقها، وتتدفق إليها السلع والتجار من جهات متعددة. ومن هنا صنعت الدرعية حضورها التاريخي من اجتماع الأمن والسيادة والاقتصاد والعلم والتجارة في مكان واحد.

ومن أهم الشواهد على ذلك سوق الموسم في الدرعية، الذي ورد في النصوص التاريخية بوصفه مركزًا تجاريًا حيًا، يقع في الباطن بين الجهة الغربية من حي الطريف والجهة الشرقية من حي البجيري. وكان السوق مفتوحًا طوال العام، تتوزع دكاكينه على الجانبين، وتُباع فيه الملابس والأسلحة والخيول والإبل والأغنام والأقمشة الفاخرة والذهب والفضة والعطور والمجوهرات وسائر السلع. وقد أشارت مخطوطات ابن بشر إلى حركة التجارة في هذا السوق، ووفود التجار إليه من اليمن والحجاز وعُمان والبحرين وبلاد الشام ومصر، كما تناولت تنظيم السوق وأسعار دكاكينه، حتى بلغ إيجار بعضها في المواسم النشطة أربعة ريالات في اليوم الواحد، وهو ما يعكس كثافة الحركة التجارية وقيمة الموقع داخل الدرعية آنذاك.

ولم يكن السوق مكانًا للبيع والشراء فقط، فقد احتضن أيضًا مجالس العلم التي خصصها الإمام سعود بن عبدالعزيز بعد شروق الشمس، حيث كان الناس يجتمعون في حلقات ممتدة، وتُقرأ فيها كتب التفسير على يد الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، ثم ينصرف الإمام إلى قصره بعد انتهاء الدرس. وهنا تظهر القيمة العميقة لسوق الدرعية؛ فقد جمع بين التجارة والعلم والاجتماع، وربط بين الاقتصاد والمعرفة، وبين حركة البائع والمشتري وحلقة العالم والمتعلم. ولذلك فإن إعادة إحياء هذا السوق اليوم تعني استعادة وظيفة تاريخية كاملة، لا إضافة نشاط سياحي مؤقت.

لقد أدركت المدن التاريخية الكبرى أن السوق القديم هو قلب التجربة التاريخية وروحها الحية؛ فمراكش وإسطنبول وفاس وحلب، وخان الخليلي في القاهرة، حفظت أسواقها بوصفها ذاكرة اجتماعية وحرفية تجعل الزائر يرى المدينة بعينيها القديمة. وفي الخليج، يقدم سوق واقف مثالًا قريبًا على قدرة السوق التراثي على تحويل الذاكرة المحلية إلى تجربة سياحية وثقافية واقتصادية نابضة. وهذا ما تحتاجه الدرعية تحديدًا؛ لأن سوق الموسم كان قلبًا اقتصاديًا واجتماعيًا وعلميًا لعاصمة الدولة السعودية الأولى، وإعادة إحيائه ستنقل الزائر من مشاهدة تاريخ الدرعية إلى عيش تفاصيله والتفاعل مع روحه.

إنّ وجود الماركات العالمية والمطاعم الراقية قد يخدم الاستثمار، ويزيد جاذبية المكان لفئات محددة، وربما لفترة قصيرة، غير أن حضوره الطاغي داخل منطقة تاريخية قد يضعف أصالة التجربة. فالزائر الذي يأتي إلى الدرعية يريد أن يرى ما جعلها درعية: الطين، والسوق، والقافلة، والحرفة، والنخلة، والقهوة، والدكان، والمجلس، وصوت الحياة القديمة. أما حين تطغى العلامات العالمية على المشهد، فإن المكان يفقد شيئًا من خصوصيته، ويتحول تدريجيًا إلى واجهة تجارية أنيقة يمكن أن توجد في أي مدينة أخرى.

أخبار ذات صلة

0 تعليق