«الثقة قبل التعاون» - د. سطام بن عبدالله آل سعد

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

د. سطام بن عبدالله آل سعد

في السياسة، كما في الاقتصاد، لا تُبنى الشراكات على الأمنيات، ولا تُفتح أبواب الاستثمار فوق أرض مهتزة. لذلك جاء الموقف السعودي من الحديث عن إعادة إعمار إيران واضحًا وحاسمًا: إعادة بناء الثقة والعلاقة أولًا، ثم يمكن بعد ذلك تناول أي مفهوم للتعاون الاقتصادي.

الرياض لا ترفض الحوار، لكنها ترفض القفز فوق أصل المشكلة؛ إذ لا يمكن أن يتحول الاقتصاد إلى مكافأة سياسية قبل معالجة السلوك الذي هدد أمن المنطقة، وأربك الملاحة، وعمّق الشك بين الجيران.

الدرس الأهم من التجربة السابقة مع الاتفاق النووي أن الملف الإيراني لا يمكن اختزاله في أجهزة الطرد المركزي وحدها؛ فالمشكلة لا تقف عند حدود التقنية النووية، بل تمتد إلى سياق إقليمي كامل، يشمل الصواريخ، والأذرع، والتدخلات، وتحويل بعض الدول العربية إلى ساحات نفوذ وصراع. لذلك فإن أي اتفاق يهدئ القلق النووي ويتجاهل القلق الإقليمي سيبقى اتفاقًا ناقصًا، وربما يتحول من حل إلى مصدر جديد للتوتر.

أمن الخليج جزء من أمن الطاقة العالمي وحركة التجارة وسلامة الممرات البحرية، وفي قلب هذه المعادلة يأتي مضيق هرمز بوصفه شريانًا اقتصاديًا عالميًا. لذا لا يمكن لأي اتفاق مع إيران أن يتجاهل مخاوف دول المنطقة، ثم يطلب منها التعايش مع نتائجه.

كان الموقف السعودي خلال هذه الحرب صوت العقل داخل الأزمة؛ إذ عمل على منع التصعيد، ودعم الوساطات، والترحيب بأي اتفاق يوقف العمليات العسكرية. وفي الوقت نفسه، وضع المسألة في إطارها الصحيح، وهو أن وقف النار قد يوقف المعركة، لكن السلام الحقيقي لا تصنعه إلاً الضمانات، وعدم التدخل.

وأي طرح لإعادة إعمار إيران سيبقى ناقصًا إذا تعامل مع المسألة بوصفها ملفًا ماليًا فقط. فالأصل ليس حجم التمويل، إنما طبيعة السلوك الذي سيحكم العلاقة مع الجوار، وفي مقدمته احترام السيادة، وطمأنة دول المنطقة بأن التسوية لن تكون بابًا جديدًا للضغط والتهديد.

السعودية تقول نعم للسلام الذي يحمي المنطقة، ولا للسلام الذي يؤجل المخاطر. فحين لا تُعالج جذور الأزمة، يتحول أي اتفاق، مهما بدا كبيرًا، إلى هدنة مؤقتة فوق أرض لم تهدأ بعد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق