لا يعرف دوستويفسكي، ولم يجلس يومًا يحتسي قهوته على صوت فيروز. لا يكتب خواطره في منتصف الليل، ولا يعلن حزنه على منصات التواصل، ولا يلتقط صورة لفنجان قهوته قبل أن يبرد.
إنه من أولئك الذين تحدث لهم الحياة كلها... دون أن يرووا منها شيئًا.أراقبه أحيانًا من بعيد.
يوقظه المنبه قبل أن يوقظه الضوء. يغسل وجهه على عجل، يبتلع رشفة الشاي الأخيرة، يلتقط مفاتيحه كما يلتقط الجندي خوذته، ثم يغادر.
يمشي بين الناس دون أن يلتفت إليه أحد، كأن المدينة اعتادت وجوده حتى صار جزءًا من أرصفتها، كإشارة مرور، أو شجرة هرمة، أو مقعد قديم في محطة انتظار.
لكنني كلما رأيته شعرت أن الحياة اختارت أن تختبئ فيه.
فهذا الرجل لا يملك الوقت ليسأل: ما معنى الحياة؟ لأنها تنتظره على هيئة فاتورة، أو قسط، أو طفل يريد حذاءً جديدًا، أو أمٍ تخفي ألمها كي لا تزيده تعبًا.
أدركت متأخرًا أن الفلاسفة كانوا يملكون وقتًا لطرح الأسئلة، أما هو فكان منشغلًا بالإجابة عنها دون أن يدري.
كان يجيب كل صباح حين ينهض رغم الإرهاق.
ويجيب كل مساء حين يعود وفي يده كيس خبز، وعلى كتفيه نهارٌ كامل، ثم يبتسم كأن التعب لم يمر به.
أحيانًا يخيل إليّ أن أعظم المعاني تختبئ في يد خشنة أنهكها العمل، وفي حذاء استهلكته الطرقات، وفي جبين حفرت الشمس عليه سيرة عمر كامل.
حتى التجاعيد لا تبدو لي علامات شيخوخة على وجه هذا الشخص، بل خرائط لرحلات طويلة قطعها من أجل الآخرين.
أفكر..
كم من مرة مررنا بجانب إنسانٍ كهذا دون أن نراه؟ كم من أبٍ عبر الشارع وهو يحمل في رأسه ألف خوف، بينما بدا لنا مجرد رجلٍ عائد من عمله؟ وكم من أمٍ أخفت انكسارها خلف ابتسامةٍ صغيرة، فظن الجميع أنها بخير؟
ربما لهذا السبب لا أثق كثيرًا في عبارة «شخص عادي»، فالعادي ليس وصفًا للإنسان، بل لعيوننا التي اعتادت المشهد حتى فقدت دهشتها.
لقد اعتدنا أن نكتب كثيرًا عن الذين غيّروا العالم... لكن العالم لم يبقَ صالحًا للحياة إلا بأولئك الذين استيقظوا كل صباح، وأدوا ما عليهم، ثم عادوا إلى بيوتهم دون أن ينتظروا تصفيقًا من أحد. أولئك الذين عاشوا بصمت، وأحبوا بصمت، وتعبوا بصمت، ثم رحلوا بصمت...
تاركين خلفهم بيوتًا دافئة، وأطفالًا كبروا، وأمهاتٍ عشن بكرامة، وذكرياتٍ لا تعرف كيف تُكتب، لكنها تعرف جيدًا كيف تُفتقد.
ولعل الأدب، إذا أراد أن يكون وفيًّا للحياة، فعليه أن ينزل من شرفاته العالية، ويجلس قليلًا إلى جوار هؤلاء.
إلى الإنسان الذي لم يقرأ الكتب التي تتحدث عن الحياة..لأنه كان، طوال الوقت، مشغولًا بأن يعيشها.













0 تعليق