حين يبتعد التنفيذ.. أين يختفي الحكم؟ - إبراهيم بن يوسف المالك

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

إبراهيم بن يوسف المالك

في كثير من المؤسسات، تُرفع الكفاءة إلى مرتبة الهدف الأعلى، ويُنظر إلى التفويض باعتباره الوسيلة الأكثر عقلانية لتحقيقها. غير أن التفويض هنا لم يعد يقتصر على نقل بعض المهام، بل تجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل طريقة العمل نفسها. لم تعد المؤسسات تفوض السلطة بقدر ما تفوض التنفيذ. تُنقل العمليات إلى أطراف خارجية، وتُوزّع الإجراءات على أنظمة متعددة، وتُدار وظائف كاملة عبر منظومات مصممة لتحسين السرعة، وخفض التكلفة، وتعظيم القدرة على التوسع. وعلى السطح، يبدو كل شيء متماسكًا ومنضبطًا: لوحات متابعة واضحة، تقارير تصدر في مواعيدها، ومؤشرات أداء تعكس استقرارًا يوحي بالسيطرة.

لكن ما يتغير في هذه البيئة لا يظهر في الأرقام، ولا في التقارير، ولا في مؤشرات الأداء. ما يتغير يحدث في مكان أكثر عمقًا وأقل قابلية للقياس.. في موقع الحكم نفسه.

كان التنفيذ، في صورته التقليدية، مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بعملية اتخاذ القرار. يحدث في نفس السياق، وتحت نفس الرؤية، وضمن دائرة واحدة من المسؤولية. لم يكن القرار شيئًا منفصلًا عن التنفيذ، بل كان امتدادًا له. أما اليوم، فقد أصبح التنفيذ بعيدًا عن مكان اتخاذ القرار، منفصلًا عنه في الزمان والمكان والسياق. ومع مرور الوقت، لا يصبح من الصعب فقط فهم ما يحدث، بل يصبح من الصعب تتبع كيف تتحول القرارات إلى نتائج فعلية على أرض الواقع.

هذه ليست مشكلة في كفاءة الأنظمة، ولا قصورًا في أدوات الإدارة، بل هي نتيجة طبيعية لطريقة تصميم هذه الأنظمة. فعندما يتحرك التنفيذ إلى الخارج، لا يختفي الحكم، بل يتغير شكله. يتوزع، ويتشظى، ويتحول من ممارسة واضحة يمكن تتبعها إلى حضور مبهم يصعب تحديده. يصبح موجودًا، لكنه غير مرئي. حاضرًا، لكنه غير قابل للرصد.

في البيئات الموزعة، لا تضيع المسؤولية بالمعنى التقليدي، لكنها تفقد مركزها. كل طرف يعمل ضمن نطاقه المحدد، وكل جزء يؤدي دوره كما هو متوقع. لا يوجد خلل ظاهر في الأداء، ولا تقصير واضح يمكن الإشارة إليه. ومع ذلك، عندما تنحرف النتائج، يتغير السؤال. لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل يصبح: أين كان القرار أصلًا؟ من الذي كان يمتلكه؟ وأين كان يُفترض أن يُمارس؟

وهنا تبدأ المؤسسات، دون أن تدرك، في التحول التدريجي من الاعتماد على الحكم إلى الاحتماء بالإجراءات. فالإجراء يمنح ما لا يمنحه الحكم. يمنح وضوحًا يمكن عرضه، وتوثيقًا يمكن الرجوع إليه، وقابلية للدفاع عند المساءلة. أما الحكم، بطبيعته، فلا يقدم هذه الضمانات. هو فعل يتطلب تحملًا، ويتضمن مخاطرة، ويرتبط بشخص أو جهة يمكن مساءلتها بشكل مباشر.

ومع مرور الوقت، يتشكل داخل النظام تفضيل غير معلن، لكنه واضح في ممارساته. يصبح الهدف ليس الوصول إلى القرار الأفضل، بل الوصول إلى القرار الأكثر قابلية للتبرير. يتحول التركيز من جودة الحكم إلى سلامة الإجراء. ومن امتلاك القرار إلى الالتزام بالمسار.

هذا التحول لا يحدث فجأة، ولا نتيجة قرار واعٍ، بل يتسلّل بهدوء عبر الممارسة اليومية. كل مرة يُفضّل فيها الإجراء لأنه أكثر أمانًا، وكل مرة يُتجنب فيها الحكم لأنه أكثر عرضة للمساءلة، يترسخ هذا النمط أكثر. حتى يصل النظام إلى مرحلة يصبح فيها الإجراء بديلًا غير معلن عن الحكم.

المفارقة هنا لا تكمن في الاستعانة بالأطراف الخارجية، ولا في توزيع العمليات، ولا حتى في تعقيد الأنظمة. المفارقة الحقيقية تكمن في ما تفعله هذه الممارسات بقدرتنا على الرؤية. فكلما توزّع التنفيذ، أصبح الحكم أصعب في التتبع. وكلما ابتعد التنفيذ عن مركز القرار، أصبح الحكم أقل وضوحًا، وأكثر عرضة لأن يتحول إلى أثر غير مرئي داخل النظام.

وعندما يصبح الحكم غير مرئي، لا يفقد أهميته، بل على العكس، تزداد أهميته، لكنه يفقد قابليته للممارسة. يصبح موجودًا من حيث المبدأ، لكنه غائب عن الفعل. وتصبح المؤسسات، في هذه الحالة، قادرة على إدارة العمليات بكفاءة، لكنها أقل قدرة على اتخاذ قرارات حقيقية عند الحاجة.

ليست كل الأنظمة التي تعمل بسلاسة مفهومة بالضرورة، وليست كل البيئات التي تبدو محكومة، محكومة فعلًا. فقد تعمل العمليات بدقة، وتتحقق المؤشرات، وتستمر النتائج ضمن الحدود المقبولة، ومع ذلك يبقى السؤال الأهم معلقًا دون إجابة: أين يوجد الحكم في كل ذلك؟

فالتحكم، في جوهره، لا يتعلّق بإدارة الإجراءات، ولا بضبط العمليات، ولا بتحسين المؤشرات. التحكم الحقيقي يتعلق بشيء أكثر دقة وأقل وضوحًا: معرفة موقع الحكم داخل النظام. أين يوجد؟ من يمارسه؟ ومتى يظهر؟

وحين لا نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة، فإن ما يبدو سيطرة قد لا يكون أكثر من انضباط شكلي يخفي غياب القرار في اللحظة التي يُفترض أن يُتخذ فيها.

وفي عالم تتسارع فيه الأنظمة وتتعقد فيه الهياكل، قد لا يكون التحدي الحقيقي هو تحسين التنفيذ، بل استعادة القدرة على رؤية الحكم، قبل أن يصبح جزءًا من النظام.. دون أن يكون جزءًا من القرار.

أخبار ذات صلة

0 تعليق