طقوس لا تغيب.. الكوراع والفتة والكرشة والممبار أهم وجبات سوهاج فى العيد

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى محافظة سوهاج لا يقاس عيد الأضحى بعدد أيامه فقط، بل بما يحمله من طقوس وعادات متوارثة نجحت فى مقاومة الزمن، وظلت حاضرة داخل البيوت والقرى والشوارع، جيلا بعد جيل فالعيد هناك ليس مجرد مناسبة دينية مرتبطة بذبح الأضاحى، لكنه موسم اجتماعى كامل، تبدأ ملامحه قبل الصلاة بأيام، وتمتد ذكرياته فى نفوس الأهالى حتى قدوم العيد التالى.

ومع أيام عيد الأضحى، تتحول البيوت السوهاجية إلى خلية عمل متواصلة، حيث تنشغل السيدات بإعداد مستلزمات “الفتة”، بينما يبدأ الرجال فى تجهيز الأضاحى أو شراء اللحوم، وتتعالى روائح التوابل والثوم والسمن البلدى من المطابخ، لتعلن أن للعيد فى الصعيد مذاقا مختلفا لا يشبه أى مكان آخر.

 

الفتة الطبق الذى يجمع العائلة

ورغم اختلاف الإمكانيات المادية بين الأسر، يبقى طبق الفتة القاسم المشترك بين الجميع، إذ يتصدر مائدة الإفطار عقب صلاة العيد مباشرة، باعتباره الوجبة الأساسية التى لا يمكن الاستغناء عنها.

وتتميز الفتة السوهاجية بطابع خاص، يعتمد على “العيش الشمسى” الذى يمنحها نكهة مختلفة عن أى فتة أخرى وقبل العيد بأيام، تبدأ السيدات فى خبز العيش الشمسى داخل المنازل أو شرائه من المخابز الشعبية، ثم تجفيفه وتحميصه.

وتبدأ رحلة إعداد الطبق بوضع قطع العيش المحمص داخل الصينية الكبيرة، ثم إضافة الأرز الأبيض وقطع اللحم المسلوق، قبل سكب المرقة الممزوجة بالخل والثوم، فيما توضع طبقة الصلصة الحمراء على الوجه، لتصبح الصينية جاهزة لاستقبال أفراد الأسرة عقب العودة من صلاة العيد.

ولا تتوقف أهمية “الفتة” عند مذاقها فقط، بل تحمل بعدا اجتماعيا واضحا، حيث تحرص غالبية الأسر فى سوهاج على تناولها من صينية واحدة، فى مشهد يعكس الترابط الأسرى وروح المحبة التى تميز العيد فى الصعيد.

 

أكلات لا تظهر إلا فى العيد

وفى القرى تحديدا، لا يقتصر الاحتفال بعيد الأضحى على اللحوم التقليدية، بل تمتد المائدة إلى أكلات شعبية ارتبطت بالمناسبة منذ عقود طويلة، أبرزها أطباق الكرشة والممبار والكوارع والفشة ولحمة الرأس ويعتبر كثير من أهالى الريف السوهاجى هذه الأكلات جزءا أساسيا من فرحة العيد، إذ ينتظرها الكبار والصغار من عام إلى آخر، لما تتميز به من مذاق خاص لا يتكرر فى الأيام العادية.

وتتفنن السيدات فى إعداد تلك الوجبات، حيث تطهى الأمعاء والكرشة داخل طواجن كبيرة بالسمن البلدى والتوابل الحارة، بينما يتم تجهيز الممبار المحشو بالأرز والخضروات ليكون حاضرًا بقوة على موائد الغداء.

ويؤكد عدد من الأهالى أن هذه الأكلات ليست مجرد طعام، لكنها تحمل ذكريات مرتبطة بتجمع العائلة حول الذبيحة منذ الصباح، ومشاركة الجميع فى تجهيز الطعام، وهو ما يمنح العيد طابعًا إنسانيًا واجتماعيًا خاصًا.

 

رائحة الشواءإعلان رسمى لقدوم العيد

ومع حلول الظهيرة، تبدأ مرحلة أخرى من طقوس العيد فى سوهاج، حيث تنتشر حفلات الشواء فى كل مكان، سواء داخل القرى وسط الأراضى الزراعية والمساحات الخضراء، أو فوق أسطح المنازل والعمارات داخل المدن.

وتتصاعد أدخنة الفحم المحمل بقطع لحم الضأن، لتملأ الأجواء برائحة يعرفها الجميع جيدا، حتى أصبحت بالنسبة لكثير من الأهالى “الرائحة الرسمية” للعيد.

وفى بعض القرى، تتحول عملية الشواء إلى تجمع عائلى كبير، يشارك فيه الرجال والشباب فى تجهيز الفحم وتقليب اللحم، بينما تتولى السيدات إعداد السلطات والمقبلات، فى مشهد يعكس روح المشاركة التى تميز المجتمع الصعيدى.

ولا يكاد يخلو منزل فى سوهاج يوم العيد من طبق اللحم المشوى، الذى أصبح أحد أبرز ملامح الاحتفال، خاصة مع ارتباطه بالجلسات العائلية الممتدة حتى ساعات المساء.

 

الموسم عادة اجتماعية لا تزال حية

ورغم تطور الحياة وتغير الكثير من العادات، لا تزال عادة “الموسم” حاضرة بقوة داخل المجتمع السوهاجى، باعتبارها واحدة من أهم الطقوس الاجتماعية المرتبطة بعيد الأضحى.

وتقوم هذه العادة على حرص الأسر، سواء فى المدن أو القرى، على زيارة بناتهن المتزوجات فى بيوتهن خلال أيام العيد، حاملين إليهن لحوم الأضحية والخضروات والفاكهة والحلوى، فى تقليد يعتبره الأهالى رمزًا للمودة وصلة الرحم.

ولا ترتبط هذه العادة بالطبقات الميسورة فقط، بل يحرص عليها الجميع، حتى الأسر البسيطة التى تعتبرها واجبا اجتماعيا لا يمكن التخلى عنه، إذ يرى كثيرون أن عدم القيام بها يعد تقصيرًا فى حق الأبناء والبنات.

ويؤكد كبار السن فى سوهاج أن “الموسم” كان قديما مناسبة تنتظرها البنات المتزوجات بشغف كبير، لما تحمله من مشاعر اهتمام ومحبة من الأهل، ولا تزال هذه العادة مستمرة حتى اليوم رغم تغير الظروف الاقتصادية وأنماط الحياة.

 

العيد ذاكرة مجتمع كامل

وفى النهاية، يبقى عيد الأضحى فى سوهاج أكثر من مجرد مناسبة دينية، إذ يمثل حالة اجتماعية خاصة، تختلط فيها الروائح بالذكريات، وتتحول العادات القديمة إلى طقوس متجددة تمنح الأهالى شعورا بالدفء والانتماء.

ورغم تغير الزمن، لا تزال الموائد العامرة، وصوانى الفتة، وأدخنة الشواء، وزيارات “الموسم”، قادرة على الحفاظ على روح العيد الحقيقية داخل البيوت السوهاجية، لتؤكد أن بعض العادات لا تموت مهما تغيرت الحياة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق