د.عبدالعزيز الجار الله
شكلت المقدسات ثم سواحل الجزيرة العربية طوال التاريخ الثقل الديني والتجاري والسياسي للجزيرة حيث تضم الجزيرة العربية: دول الخليج الكويت، السعودية، البحرين، قطر، الأمارات، عمان، اليمن، والأطراف الجنوبية من العراق والأردن. فقد شكلت السواحل: الساحل الغربي البحر الأحمر، والساحل الشرقي الخليج العربي وبحر عمان، والساحل الجنوبي بحر العرب والمحيط الهندي. أمًا المضائق والخلجان فهي: مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وخليج عدن، وخليج العقبة، وخليج قناة السويس. المحور الأساس فمن يسيطر على هذا الجزء من العالم يكون قد سيطر على العالم القديم، وكذلك العالم الحديث بعد إنشاء قناة السويس في القرن التاسع عشر الميلادي 1869م، تبلغ تجارة الخليج العربي حالياً 20 % من تجارة ونفط العالم، يمر عبر البحر الأحمر ما بين 12 % إلى 15 % من حجم التجارة العالمية، وما يقارب 30 % من إجمالي حركة الحاويات العالمية.
كان بالسابق يسيطر على بحار وممرات العرب قوى عربية إسلامية الدولة: الأموية، العباسية السلجوقية، المملوكية، العثمانية يسيطرون على السواحل وعلى المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة. و تجاورها وتتصارع معها: امبراطوريات بيزنطة، الفرس، الأحباش بإفريقيا، وأخيرا الاستعمار الأوروبي. فهذه تشكل مناطق النزاع والصراعات خلال قرون كثيرة شهدتها الجزيرة العربية وبالتحديد الشواطئ السعودية التي كانت ضمن مدن طريق الحرير، وطرق القوافل البري، وطرق الشرق الاوسط البحرية التي خاضت حروبا عديدة فكانت سواحلها وشواطئها العميقة مقرا للسفن الغارقة العسكرية والتجارية التي لم تنتشل، ولم يتم التعرف عليها، فهي تحتاج إلى جهود كبيرة لاستخراجها، كذلك جهود أخرى للحفاظ عليها عبر إنشاء متاحف محلية واقليمية، كون المناطق الإدارية تقع على البحر الأحمر عدد (6) مناطق من أصل (13) منطقة إدارية من الشمال إلى الجنوب هي: تبوك، المدينة المنورة، مكة المكرمة، الباحة قريبة من البحر، عسير، جازان.
احتفى متحف البحر الأحمر بجدة التاريخية في 26 فبراير 2026، بافتتاح معرضه المؤقت «كنوز غارقة: التراث البحري للبحر الأحمر»، من 25 فبراير إلى 29 مايو 2026، في مبنى «باب البنط» التاريخي، وما جاء في المعرض:
- يسلّط معرض كنوز غارقة الضوء على اكتشافات أثرية من البحر الأحمر تمثل شواهد على تاريخ الملاحة ورحلات الإنسان والتبادل الثقافي.
- معرض التراث البحري في البحر الأحمر يطلع المهتمين بـ «عملات كنز الشعيبة» بوصفها إحدى أبرز المكتشفات الأثرية التي توثق أهمية البحر الأحمر من عصور قديمة.
- يضم المعرض مجموعة من العملات الفضية الإسلامية التي استُخرجت من حطام سفينة غارقة قرب ساحل الشعيبة، الميناء التاريخي الذي ارتبط بخدمة مكة المكرمة.
- وتعود تلك العملات إلى الفترة ما بين عامي 1225 و1350م، الأمر الذي يفتح نافذة معرفية على تاريخ التبادل التجاري والاقتصادي الذي شهدته المنطقة خلال تلك الحقبة.
- تكتسب «عملات كنز الشعيبة» أهميتها من خلال قصة استعادتها بعد إخراجها خارج المملكة، في خطوة عكست الجهود المبذولة لحماية التراث الثقافي وصون المقتنيات الأثرية، وقد تم استعادة نحو 300 عملة فضية، من أصل كنز يُقدّر أنه كان يضم قرابة 5 آلاف قطعة.
- يعتبر ميناء الشعيبة (الآن 2026) من أهم المراكز الاقتصادية في المملكة حيث يضم أكبر مركز تحلية مياه في الشرق الأوسط يغذي منطقة مكة المكرمة بالكامل بالمياه والكهرباء.
- يكشف المعرض كيف تحوّل حطام السفن من بقايا الرحلات إلى أرشيفات تاريخية، ثم إلى ملاذات طبيعية نابضة بالشعاب المرجانية الحية والكائنات البحرية، عبر قطع أثرية وتجارب بصرية غامرة وتقنيات تفاعلية.
- يُبرز «كنوز غارقة» دور متحف البحر الأحمر بصفته منصةً لإنتاج المعرفة ودعم البحث العلمي، بالتعاون مع هيئة التراث وبرنامج جدة التاريخية.
- يمثّل المعرض محطة بارزة للمتحف باعتباره أول مؤسسة في المملكة تُعنى بتاريخ الملاحة والتراث البحري والثقافي والتنوع البيولوجي للبحر الأحمر، ويحتضنه مبنى «باب البنط» المعاد ترميمه، الذي كان يستقبل لأجيال مسافرين قدموا بحرًا.
- تستثمر المملكة في إطار رؤية المملكة 2030، في بنية تحتية ثقافية عالمية تخدم المجتمعات المحلية والزوار الدوليين وتؤكد ريادتها في ابتكار المتاحف والتفاعل المجتمعي، وبصفته أول متحف شامل ومتاح للجميع في المملكة.
- يجسّد متحف البحر الأحمر هذا الالتزام بالتميز، ويسعى عبر معارضه وبرامجه العامة وشراكاته البحثية إلى صون التراث وخلق فرص للتبادل الثقافي والتعليم والتنمية المستدامة، تأكيدًا على أن التراث الثقافي ليس أرشيفًا جامدًا، بل هو مستودع حيّ لتاريخ البشرية المستمر.






0 تعليق