د. ياسين علي محمد عزي
ليست الكلمة في جوهرها مجرد حروف تصطف فوق الورق، ولا الخبر في معناه العميق مجرد واقعة تعبر فضاء النشر ثم تمضي مع إيقاع الأيام. فالكلمات الكبرى، حين تولد في منابر تعرف رسالتها جيدًا، لا تتوقف عند حدود القراءة، بل تبدأ رحلتها الحقيقية بعد النشر؛ حين تتحول من نص مكتوب إلى أثر حي يلامس المجتمع، ويوقظ المعنى، ويعيد تشكيل العلاقة الجميلة بين الإنسان ووطنه.
ولهذا لم تكن الصحافة الوطنية يومًا مجرد وسيط ينقل الأحداث كما تقع، بل كانت -في أرقى صورها- شريكًا أصيلًا في بناء الوعي المجتمعي، وصناعة الانتماء، ورسم النماذج الإنسانية التي تستحق أن تتحول من قصة عابرة إلى قيمة وطنية يراها الناس ويتعلمون منها.
قبل أيام، نشرت صفحات الجزيرة الرياضية قصة شاب سعودي من أبناء جازان، الباحث والمبتعث محمد ضيف الله الشبيلي، الذي قرر أن يقطع أكثر من خمسة آلاف كيلومتر برًا داخل الولايات المتحدة الأمريكية، من سياتل إلى ميامي، في رحلة امتدت ستة أيام كاملة، فقط ليكون حاضرًا خلف المنتخب السعودي، مؤازرًا وطنه بطريقته الخاصة.
في ظاهر المشهد، بدت القصة حدثًا رياضيًا جميلًا؛ لكنها في جوهرها كانت صورة نادرة لمعنى الانتماء حين يتحول الحب الصادق للوطن إلى فعل حقيقي يتجاوز المسافات والقارات.غير أن ما استوقفني أكثر من القصة نفسها، لم يكن الرحلة وحدها.ما يستحق التأمل حقًا هو ما حدث بعد أن التقطت الجزيرة هذا النموذج الإنساني الجميل.
فالكلمة التي خرجت من منبر وطني رصين لم تبقَ حبرًا على صفحة، ولم تتوقف عند حدود الخبر الرياضي، بل تحولت إلى أثر واقعي حين بادرت الجهات المعنية في إمارة منطقة جازان إلى متابعة الحالة والتفاعل معها، تمهيدًا للاحتفاء بها، إدراكًا منها لما تحمله هذه القصة من قيمة وطنية تستحق أن ترى النور على نطاق أوسع.وهنا يظهر المعنى الحقيقي للمنابر الكبرى.
فالصحف العريقة لا تقاس فقط بما تنشره من أخبار، بل بقدرتها على التقاط المعنى قبل الآخرين، وبقدرتها على تقديم النماذج الإنسانية التي تعكس صورة الوطن كما ينبغي أن تُرى.وفي وطن يقوده خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، وبرؤية ملهمة يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، لم يعد بناء الإنسان مشروعًا تنمويًا فحسب، بل أصبح جوهر الحكاية السعودية كلها؛ تلك الحكاية التي جعلت من الإنسان السعودي القيمة الأهم في مشروع التحول الوطني الكبير.
ومن هنا يبدو طبيعيًا أن تجد مثل هذه النماذج الوطنية اهتمامًا من القيادة المحلية في مناطق المملكة، لأن روح هذا العهد السعودي المبارك قامت -منذ البداية- على فكرة عميقة وواضحة: أن الإنسان أولًا.
وفي جازان، لا يبدو الاهتمام بمثل هذه النماذج الوطنية أمرًا عابرًا أو منفصلًا عن سياق أوسع؛ بل يأتي امتدادًا لنهج إنساني وتنموي يتجلى في حضور صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالعزيز بن محمد بن عبدالعزيز آل سعود، أمير منطقة جازان، حفظه الله، وسمو نائبه، حيث لا تُقرأ التنمية هناك في حدود المشروعات والأرقام وحدها، بل في مقدار ما تتركه من أثر في الإنسان.
ولعلي أستعيد هنا بيتًا من قصيدة «أمير جازان القلوب»، بوصفه صدى وجدانيًا لذلك الحضور الإنساني القريب:
أمير جازان يا بدرًا تجلّى
محمدٌ شمسٌ تضيء لنا الثغورا
فالبيت لا يستحضر سموه بوصفه أميرًا للمكان فحسب، بل بوصفه حضورًا يضيء الوجدان، ويمنح القرب معناه، ويجعل من القيادة لغة رحيمة تمتد إلى الناس في تفاصيلهم الصغيرة قبل مشاهدهم الكبرى. وتلك الروح ذاتها هي التي نراها في اهتمام الإمارة بالنماذج الملهمة، وفي تكريم المواهب الطلابية، وفي المشروعات التعليمية الكبرى، وفي إبراز هوية جازان الثقافية والسياحية؛ حيث يصبح الإنسان هو مركز الحكاية، وتصبح التنمية طريقًا لتعزيز الانتماء، لا مجرد رقم يضاف إلى سجل الإنجاز.
ومن هنا، فإن الاحتفاء بقصة محمد ضيف الله الشبيلي لا ينفصل عن هذا المسار؛ فهو ابن من أبناء جازان، حمل وطنه في قلبه وهو على بعد آلاف الكيلومترات، فجاءت متابعة القصة تعبيرًا عن قيادة ترى في كل مواطن قيمة، وفي كل موقف وطني صادق صفحة جديدة من صفحات الوفاء للوطن وقيادته ورؤيته.
وهكذا اكتملت الصورة الجميلة.
مواطن يجسد الانتماء.
ومنبر وطني يلتقط المعنى.
وقيادة تدرك قيمة هذه النماذج وتمنحها ما تستحقه من اهتمام.
ولهذا لا تبدو الجزيرة في مثل هذه اللحظات مجرد صحيفة تنشر خبرًا، بل شريكًا وطنيًا حقيقيًا في صناعة الوعي، وفي بناء ذلك الجسر العميق الذي يصل المواطن بوطنه، ويجعل الكلمة جزءًا من مشروع المملكة الكبير وهي تمضي بثقة نحو مستقبل تصنعه رؤية 2030.فالأوطان الكبرى لا تبنى بالمشروعات العملاقة وحدها، بل تبنى أيضًا بالكلمات التي تعرف كيف توقظ في الإنسان أجمل ما فيه.وربما هنا يكمن المعنى الأعمق لكل ما حدث.
فمحمد ضيف الله الشبيلي لم يكن مجرد شاب قطع آلاف الكيلومترات دعمًا لوطنه، وإمارة جازان لم تكن تمارس مجرد متابعة عابرة لحالة إنسانية جميلة، كما أن الجزيرة لم تكن تنشر خبرًا رياضيًا يمر مع دورة الأخبار اليومية.ما حدث في جوهره كان مشهدًا سعوديًا كاملًا؛ مواطن يحمل وطنه في قلبه، وقيادة ترى الإنسان قبل كل شيء، ومنبر وطني كبير يعرف كيف يلتقط المعنى قبل أن يراه الآخرون.ولهذا تبقى المنابر الوطنية الكبرى جزءًا أصيلًا من مشروع المملكة الكبير، لأنها لا تكتفي بأن تنقل للناس ما يحدث، بل تسهم في صناعة ما يجب أن يحدث.
فالكلمة، حين تولد في وطن بحجم المملكة العربية السعودية، وتجد قيادة تؤمن بالإنسان، ورؤية جعلت الانتماء أحد أعظم استثمارات المستقبل، لا تعود مجرد حروف تقرؤها العيون.
بل تصبح فعلًا وطنيًا يكتب نفسه في وجدان الناس.
وربما لهذا ستظل الجزيرة أكثر من صحيفة؛ لأنها، في لحظات كهذه، لا تكتب الخبر فقط.
بل تكتب الوطن نفسه.
** **
- أكاديمي وكاتب



0 تعليق