د. ياسين علي محمد عزي
ثمة أيام لا تُقاس كما تُقاس سائر الأيام تمر في التقويم مثل غيرها، لكنها تترك في وجدان الأوطان أثرًا يجعل الزمن نفسه يبدو مختلفًا عن صورته المعتادة.
في مثل تلك الأيام، كان الصيف يمدّ نهاره إلى أبعد ما يستطيع، ويترك لليل مساحة أقل مما اعتاد. وكانت لغة الفلك تقول إن الضوء بلغ ذروته، وإن ساعات النهار تقدمت على العتمة بما يقارب ثلاث ساعات. وقد أشار أستاذ المناخ الدكتور عبدالله المسند إلى أن النهار في هذه الفترة يقترب من 13 ساعة و40 دقيقة، مقابل نحو 10 ساعات و20 دقيقة لليل. غير أن يوم الأخضر أمام إسبانيا لم يكن طويلًا بما منحه الضوء من ساعات، بل بما أضافه الوطن إلى الزمن من معنى في الوجدان ومن أثر في الذاكرة الحية.
فلم يكن ذلك اليوم طويلًا بضوء الشمس وحده، بل بما حمله من شوق واستعداد وفرح وطني، لأنه اليوم الذي وقف فيه الأخضر أمام إسبانيا في كأس العالم 2026. ومثل هذه الأيام لا تُقاس بساعات النهار وحدها، بل بما تتركه في الذاكرة من أثر، وبما تجمعه في الوجدان من نبض واحد.فالزمن، حين يتحول إلى لحظة وطنية جامعة، يكتسب طبيعة مختلفة عن طبيعته المعتادة. ففي ذلك اليوم لم يكن السعوديون منشغلين بمباراة عابرة بقدر انشغالهم بحدث وجداني جمع القلوب على معنى واحد؛ حيث انشغلت المدن بالاستعداد، وازدانت الشوارع باللون الأخضر، وتحولت الساحات العامة إلى مساحات مشتركة يعيش فيها الناس فرحهم الوطني بصورة بدت أكبر من مجرد تسعين دقيقة في ملعب كرة قدم.
ومنذ أن انطلقت مبادرة «مدننا تشجع منتخبنا»، التي أطلقتها وزارة البلديات والإسكان لتفعيل الساحات والحدائق والواجهات البلدية والمرافق العامة في مختلف مناطق ومدن ومحافظات المملكة، بدت المدن السعودية وكأنها تفتح ساحاتها للفرح الوطني. لم يعد التشجيع مجرد حضور في ملعب، بل أصبح حالة وطنية عامة، شاركت فيها الشوارع، والميادين، والواجهات، والقلوب.
وكان ذلك، في تقديري، هو الجمال الحقيقي لما حدث: أن وطنًا بأكمله، من تبوك إلى جازان، ومن الرياض إلى الشرقية، تحرك بإيقاع واحد، وازدان بلون واحد، ورفع عبارة واحدة. لم يكن المشهد احتفاء منطقة بمفردها، ولا مدينة دون أخرى، بل احتفاء أمة كاملة، تتوزع جغرافيًا لكنها تتوحد وجدانيًا في كل مرة يخطو فيها الأخضر إلى الملعب.
وفي ظل رؤية المملكة 2030، لم تعد الرياضة مجرد منافسة عابرة، بل أصبحت جزءًا من صورة وطنية أوسع؛ صورة وطن يبني إنسانه، ويعزز جودة حياته، ويمنح الفرح العام مكانته في المجال الاجتماعي. فالمدن التي تزينت للأخضر لم تكن تحتفي بمباراة فقط، بل كانت تحتفي بمعنى أكبر: أن الانتماء حين يجد من يرعاه ويتبناه، يتحول إلى طاقة جماعية تصنع الفرح وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ووطنه.وهنا ظهر أثر قيادة الدولة المباركة، التي جعلت الإنسان في قلب المشروع الوطني، وفتحت أمام السعوديين مساحات أوسع للتفاعل، والمشاركة، والاعتزاز. فحين رأى المواطن مدينته ترتدي اللون الأخضر، وساحاتها تتحول إلى فضاءات مشتركة للفرح، أدرك أن التنمية ليست طرقًا ومباني ومؤشرات فحسب، بل هي أيضًا شعور عام بأن الوطن حاضر في تفاصيل الحياة اليومية.
وحين اجتمعت المدن السعودية تحت راية واحدة خلف الأخضر، تجاوز المشهد معناه الرياضي المباشر إلى معنى أعمق: أن هذا الوطن يعرف كيف يحول اللحظة العابرة إلى ذكرى راسخة، والمباراة الواحدة إلى مناسبة جامعة تذكّر الجميع بأن الانتماء ليس شعارًا يقال، بل ممارسة يومية تتجدد مع كل حدث يستحق أن يُعاش بقلب واحد.
ولذلك، فإن من قاس ذلك اليوم بمنطق الفلك وحده فاته الكثير. فاليوم الذي التقى فيه الأخضر بإسبانيا، وازدانت فيه شوارع المملكة باللون الأخضر من أقصاها إلى أقصاها، لم يكن يومًا عابرًا في تقويم الفصول، بل يومًا طال بقدر ما حمله من معنى، واتسع بقدر ما وحده من قلوب، وبقي في ذاكرة من عاشه أطول من أي يوم آخر في السنة.
فليكن الحساب الفلكي قد قال إن النهار كان الأطول.
أما في وجدان السعوديين، فقد بدا ذلك اليوم بأكمله أطول من المعتاد؛ لأن الوطن، من شماله إلى جنوبه، عاش ساعاته كلها على إيقاع لحظة واحدة، اجتمعت فيها القلوب خلف الأخضر، وتجدد فيها ذلك المعنى العميق الذي يجعل الانتماء فعلًا حيًا لا مجرد شعور عابر.
** **
- أكاديمي وكاتب












0 تعليق