إقالة وليس استقالة 1-5 - ماجد قاروب

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ماجد قاروب

عاش الوسط الرياضي قبل سنوات جدلاً واسعاً حول رحيل أحد رؤساء الأندية الكبرى، وانقسمت الآراء حينها بين من وصف ما حدث بأنه «استقالة «ومن أكد أنه «إقالة» حتى أصبحت العبارة حاضرة في الذاكرة الإعلامية مع كل حالة مشابهة، واليوم يعود ذات الجدل ولكن هذه المرة في بيئة المال والأعمال والشركات المدرجة حيث يصبح التفريق بين المصطلحين مسألة قانونية بالغة الأهمية.

فالاستقالة تعني قراراً إرادياً يتخذه الشخص بمحض اختياره، أما الإقالة أو المنع أو العزل فهي نتيجة قرار تنظيمي أو قضائي أو رقابي يترتب عليه فقدان الحق في الاستمرار بالموقع ولذلك، فإن تصوير من صدر بحقه قرار منع أو إبعاد من العمل في الشركات الخاضعة لإشراف هيئة السوق المالية على أنه «مستقيل» يفرغ العقوبة من مضمونها الحقيقي، ويمنح الرأي العام انطباعاً مضللاً بأن المغادرة كانت قراراً شخصياً لا نتيجة مخالفات أو تجاوزات.

ووفقاً لنظام السوق المالية فإن للهيئة صلاحيات واسعة تشمل تنظيم السوق المالية وحماية المواطنين والمستثمرين في الأوراق المالية من الممارسات غير المشروعة وإصدار اللوائح والتعليمات اللازمة لتطبيق أحكام النظام والتحقيق في الأفعال والممارسات المخالفة والتفتيش على الجهات الخاضعة لإشرافها، إضافة إلى إقامة الدعاوى وطلب العقوبات واتخاذ الإجراءات العاجلة لحماية السوق والمستثمرين، فضلاً عن حظر التلاعب والتداول بناءً على معلومات داخلية.

وقد أصدرت الهيئة مؤخراً بيانات تتعلق بقضايا ذات أهمية كبيرة في السوق المالية من بينها قضية تخص المستشفى السعودي الألماني تضمنت بخلاف الغرامات المالية قرارات بمنع بعض الأشخاص من العمل في الجهات الخاضعة لإشراف الهيئة لمدة سنة ومنع آخرين لمدة ستة أشهر، وأعطت الحق للمتضررين برفع قضايا التعويض كما أصدرت الهيئة بياناً آخر يتعلق بشركة سينومي ريتيل تضمن إحالة 17 شخصاً مشتبهاً بهم إلى النيابة العامة بينهم أعضاء مجالس إدارة سابقون وحاليون ورئيس تنفيذي وعدد من المدراء الماليين وأعضاء فريق المراجعة لدى مراجع حسابات الشركة السابق للاشتباه في مخالفتهم نظام السوق المالية ولائحة سلوكيات السوق إضافة إلى الاشتباه بمخالفة بعضهم لنظام الشركات وأكدت الهيئة كذلك بحق المتضررين من رفع قضايا التعويض وقد أودعت النيابة العامة الدعوى الجزائية لدى لجان الفصل في منازعات الأوراق المالية.

هذه الإجراءات ليست مجرد ملاحظات إدارية عابرة بل تعكس وجود شبهات ومخالفات تمس الثقة والنزاهة والشفافية التي يقوم عليها السوق المالي، ومن هنا تبرز أهمية الوضوح القانوني والإعلامي؛ فالشخص الذي يُمنع من العمل بقرار تنظيمي أو حكم قضائي لا ينبغي أن يظهر للرأي العام وكأنه غادر موقعه «استقالة» لأن ذلك يضعف الأثر الردعي للعقوبات ويُبقي الباب مفتوحاً أمام استمرار النفوذ والتأثير خلف الكواليس، وربما الانتقال إلى مواقع أخرى دون معالجة حقيقية لجذور المشكلة.

كما أن القرارات الرقابية يجب ألا تتوقف عند حدود الإعلان بل ينبغي أن تمتد إلى التنفيذ الإلزامي عبر تحديث السجلات الرسمية وإنهاء العضويات والصفات النظامية بصورة فورية، ومنع الالتفاف على العقوبات عبر التعيينات الصورية أو الإدارة غير المباشرة.

إن حماية السوق المالية لا تعني فقط مراقبة التداولات والأرقام بل تعني أيضاً حماية الثقة العامة فالمستثمر يحتاج إلى الاطمئنان بأن من يدير الشركات يتمتع بالكفاءة والنزاهة وأن من يثبت تجاوزه أو تلاعبه لن يعود للمشهد الاقتصادي وكأن شيئاً لم يكن.

ولذلك، فإن الرسالة الأهم يجب أن تكون واضحة من يصدر بحقه قرار منع أو عزل فقد أُقيل ولم يستقل؛ لأن المصطلحات ليست مجرد كلمات بل توصيف قانوني يحفظ هيبة الأنظمة وثقة المجتمع، وللحديث بقية..

أخبار ذات صلة

0 تعليق