التنمية السعودية في قلب الأزمة

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
عندما تقع الاضطرابات، أو أي أزمة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط، مثلما نشهده حالياً، فإن الأنظار تتجه نحو القوات المسلحة، والسؤال الأكبر يكون عن الجيوش، ثم عن الإنتاج والإمداد وقدرة الاقتصاد على الصمود. ولله الحمد، كانت بسالة قواتنا الجوية وقوات الدفاع الجوي محل إعجاب واسع، ونجاحاتها في التصدي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية كانت مذهلة ومحل إشادة.

غير أن المشهد لا يكتمل بالبعد العسكري وحده، إذ تشكل المملكة العربية السعودية حصة كبرى في الاقتصاد العالمي، وهي عضو في مجموعة العشرين، وتحتفظ بأصول دولية تتجاوز تريليون ونصف التريليون دولار. وقد جاء تقرير وكالة موديز مؤخراً ليُثبّت تصنيفها الائتماني عند مستوى Aa3 مع نظرة مستقبلية مستقرة، وهو تصنيف يعكس، وفق الوكالة ذاتها، قوة الاقتصاد السعودي ومتانة مركزه المالي وفاعلية سياساته. وهذا ما يجعلها ثقلاً لا تستطيع الأسواق العالمية تجاهله في أي حساب إستراتيجي.

ومع هذا فإن ثمة ثقلاً آخر أعمق وينمو بتسارع؛ ففي عام 2024 نما الناتج المحلي غير النفطي بنسبة 4.2 بالمئة، فيما بات هذا القطاع يمثّل نحو 76 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي. والمسار واضح حين تُقرأ الأرقام على امتدادها: الإيرادات غير النفطية ارتفعت من 36% من إجمالي الإيرادات في 2016 إلى نحو 45% في 2025 وتؤكد بيانات ميزانية الربع الأول من 2026 استمرار هذا المسار، إذ بلغت الإيرادات غير النفطية 116.2 مليار ريال حتى في ظل تراجع الإيرادات النفطية خلال الفترة نفسها. دون أن يفقد النفط وزنه، اتسعت قاعدة النمو خارجه بما يعني أن النمو لم يعد رهينة بما يجري في مضيق أو ما يُقرَّر في اجتماع.

ومن يراقب المشهد عن كثب يلحظ أن المملكة لم تعد تتعامل مع الأزمات الإقليمية دفاعيا، بل باتت توظّفها لترسيخ مكانتها بوصفها ركيزةً أساسية للاستقرار في محيط متقلّب.

وفي هذا السياق تحديداً يتضح أن اقتصاد الحرب في جوهره ليس اختباراً للثروة، بل اختبار للبنية والتنمية والخطط؛ والدول التي تصمد هي الأقدر على امتصاص الصدمة دون ارتجاج مؤسسي أو خلل في مسارات التنمية. وهنا يبرز صندوق الاستثمارات العامة الذي نما من 500 مليار ريال في 2015 إلى أكثر من 3.4 تريليونات ريال بحلول 2025 حيث يعد أداة سيادية تعمل في صمت وليس وعاءً للفوائض. يُضاف إلى ذلك أن أصول الحكومة المالية تُقدَّر بنحو 18% من الناتج المحلي، رصيد يمنح المملكة هامشاً حقيقياً لامتصاص الصدمات دون اضطراب.

وعلى صعيد الاستقرار الداخلي تحتفظ المملكة باحتياطيات كافية لتغطية أكثر من عام من الواردات؛ فيما انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 7 بالمئة متجاوزاً هدف الرؤية قبل موعده، ومجتمع يعمل أقل عرضةً للاضطراب حين تتصاعد وتيرة الأحداث. وموديز نفسها ترى أن نمو الاقتصاد السعودي قد يبلغ نحو 8% في 2027 مع انحسار تبعات التوترات الإقليمية، وهو رقم لا يصدر إلا عن اقتصاد يقف على أرض صلبة.

وفي المحصلة لا تستجيب المملكة للأزمات فقط، بل تجاوزت هذا المستوى منذ أمد؛ فهي تجسّد مفهوم الدولة الراسخة التي توازن بين قبضة عسكرية تحمي سماءها، ورؤية اقتصادية تحصّن تنميتها وتنشر الرفاه لشعبها. دولة ترسم بثقة خارطة الاستقرار في منطقة ملتهبة وتُبرهن بأن القوة الحقيقية في ترابط المنجز التنموي مع الهيبة السيادية.


إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق