د. سطام بن عبدالله آل سعد
يبدأ اليوم هادئًا، والموظف يحمل في ذهنه عملًا مهمًا كان ينتظر لحظة صفاء لإنجازه. فيفتح جهازه، ويرتب أولوياته، ثم تظهر الدعوة الأولى: اجتماع متابعة، وبعد دقائق تأتي الثانية: اجتماع تنسيقي، ثم ثالثة لمراجعة ما تم الاتفاق عليه، ورابعة لشرح ما تعثر تنفيذه. وقبل أن ينتصف اليوم، يكتشف أن العمل الذي جاء من أجله لم يبدأ أصلًا، وأن ساعات ثمينة ذهبت في حديث طويل عن الإنجاز، لا في الإنجاز نفسه.
ففي كثير من جهات القطاعين العام والخاص، تحولت الاجتماعات من أداة تنظيم إلى عبء يومي. فالاجتماع، الذي يُفترض أن يكون وسيلة ضرورية عند الحاجة، أصبح في بعض الجهات بديلاً عن وضوح الأدوار، وضعف التفويض، وتأخر القرار. وهنا تظهر المفارقة الإدارية؛ فكثرة الاجتماعات لا تعني دائمًا كثرة العمل، بل قد تكشف عجز الإدارة عن قيادة العمل نفسه. فالجهة التي لا تمتلك مؤشرات أداء فعَّالة تضطر إلى سؤال موظفيها كل يوم: ماذا أنجزتم؟ وعندها يصبح الاجتماع وسيلة لملاحقة العمل، لا لقيادته.
الأخطر أن الاجتماعات المفرطة تصنع وهمًا خادعًا بالإنجاز؛ فيمتلئ التقويم، وتتوالى الدعوات، وتتكرر العروض، وتُكتب المحاضر، فيشعر الجميع بوجود نشاط كبير. لكن المشروعات قد تبقى متأخرة، والقرارات معلقة، والنتائج أقل من المتوقع. فالانشغال والحركة لا يصنعان أثرًا، والاجتماع الطويل حول الطاولة لا يصنع قيمة ما لم ينتهِ بقرار واضح، أو مسؤولية محددة، أو نتيجة قابلة للتنفيذ.
وقد أشارت مجلة هارفارد للأعمال إلى أن نحو 70 % من الاجتماعات تعيق الموظفين عن إنجاز العمل المنتج، بينما كشف تقرير مايكروسوفت لمؤشر اتجاهات العمل أن الاجتماعات غير الفعالة تأتي في مقدمة معطلات الإنتاجية، وأن 68 % من الموظفين لا يجدون وقتًا كافيًا للتركيز العميق. كما أظهرت دراسة بحثية من جامعة ريدينغ في بريطانيا أن تقليل الاجتماعات بنسبة 40 % أسهم في رفع الإنتاجية بنسبة 71 %، وزاد شعور الموظفين بالاستقلالية والمسؤولية. وهذه الأرقام تقول بوضوح إن المشكلة تكمن في تضخم ساعات الاجتماعات حتى أصبحت تلتهم وقت العمل. فكل ساعة تُهدر في اجتماع غير منتج تُضعف أداء المؤسسة، وتتحول مع الوقت إلى خسارة اقتصادية وطنية، تؤثر في جودة المخرجات، وتبطئ مساهمة الجهات في تحقيق مستهدفات التحول الوطني ورؤية 2030.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تبدو هذه الظاهرة أكثر استفزازًا؛ لأن كثيرًا مما يُناقش لساعات يمكن أن تنجزه الأنظمة الذكية في دقائق؛ من إعداد التقارير، ومتابعة الأعمال، وتحليل البيانات، ومقارنة المؤشرات، إلى رصد التعثرات. ومع ذلك، ما زالت بعض المؤسسات تستدعي الموظفين إلى اجتماعات طويلة لمناقشة معلومات كان يمكن أن تظهر على لوحة رقمية، أو تُرسل في ملخص ذكي، أو تُحسم بقرار واضح.
لذلك، فإن إصلاح ثقافة الاجتماعات يبدأ من سؤال بسيط قبل إرسال أي دعوة: هل نحتاج فعلًا إلى اجتماع؟ فإن كانت الإجابة نعم، فليكن الاجتماع قصيرًا، واضح الهدف، ومحدد المخرجات، وينتهي بمسؤوليات واضحة. وإن كانت الإجابة لا..... فاتركوا الناس تعمل.









0 تعليق