كنوز نائمة.. من يوقظها؟ - د. سطام بن عبدالله آل سعد

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

د. سطام بن عبدالله آل سعد

تنتج جامعاتنا ومراكزنا العلمية آلاف الأبحاث في مجالات الطب والهندسة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والطاقة والنقل والأمن والتنمية والاقتصاد وغيرها؛ وهي حصيلة جهد علمي ومالي وبشري كبير، يقف خلفه باحثون وأساتذة وطلاب دراسات عليا ومختبرات وميزانيات وسنوات من العمل. ورغم هذا الزخم البحثي الضخم، يبرز تساؤل حول حجم الأبحاث التي استطاعت الانتقال من الرفوف الأكاديمية إلى أرض الواقع، وكم نتيجة علمية تحولت إلى سياسة عامة، أو مشروع وطني، أو نموذج تطبيقي، أو حل فعلي لمشكلة قائمة؟

المشكلة أن كثيرًا من الأبحاث تنتهي رحلتها عند حدود النشر؛ فتُحفظ في قواعد البيانات، أو تُستخدم مرجعًا أكاديميًا، أو تُناقش داخل قاعات محدودة، ثم يتوقف أثرها عند الاستشهاد العلمي. وهنا تضيع قيمة كبرى؛ فالبحث العلمي لا تكتمل قيمته بمجرد نشره، وإنما حين يتحول إلى معرفة نافعة، ومشروع قابل للتنفيذ.

نحن لا نعاني فقرًا في الأفكار، بقدر ما نعاني ضعفًا في الجسر الذي يربط البحث بالتطبيق؛ فلدينا أبحاث يمكن أن تسهم في تعظيم الأثر التنموي لرؤية 2030، وتحويل المعرفة الوطنية إلى حلول عملية ترفع كفاءة المدن والخدمات والاقتصاد وجودة الحياة، من خلال تخفيف الازدحام المروري، ورفع كفاءة الطاقة، وتحسين جودة الخدمات الصحية، ومعالجة بعض القضايا الاجتماعية والسكانية، وتطوير الأنظمة، وتقليل الهدر، وتوجيه الإنفاق العام نحو حلول أكثر دقة. غير أن هذه الأبحاث تحتاج إلى من يقرأها بعين تنفيذية، لا بعين أكاديمية فقط.

ورغم وجود هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قناة تنفيذية أكثر وضوحًا بين الجامعات ومراكز البحث من جهة، والوزارات والهيئات والشركات الكبرى من جهة أخرى؛ قناة تتولى مراجعة الأبحاث الوطنية، وتصنيفها، وقياس قابليتها للتطبيق، واستخراج ما تحمله من حلول قابلة للتحول إلى سياسات ومبادرات ومشاريع. فالأبحاث ليست كلها صالحة للتطبيق المباشر، وهذا أمر طبيعي، غير أن المؤكد أن بينها كنوزًا علمية نائمة تحتاج إلى من يوقظها.

إنّ تحويل مخرجات البحث العلمي إلى سياسات ومشاريع قابلة للتنفيذ سيغيّر طبيعة البحث نفسه؛ إذ سيجعل الباحثين أكثر ارتباطًا باحتياجات التنمية، ويمنح الجهات الحكومية قدرة أكبر على اتخاذ القرار بناءً على دليل علمي، كما سيقلل من تكرار الدراسات، ويحفظ الميزانيات من الحلول الجاهزة والمكلفة، ويحد من الاعتماد على نماذج الشركات الاستشارية المكررة التي تنتقل بين الوزارات والشركات الوطنية دون مراعاة كافية لاختلاف الاحتياجات والسياقات، في وقت توجد فيه حلول محلية نابعة من بيئتنا ومشكلاتنا وبياناتنا.

الأبحاث العلمية ليست أوراقًا أكاديمية لإكمال الترقيات أو نيل الدرجات العلمية فقط؛ إنها رأس مال وطني ينتظر من يحوله إلى أثر. وحين تبقى نتائج البحث بعيدة عن القرار والتنفيذ، فإننا نخسر فكرة وفرصة تنموية كان يمكن أن تتحول إلى سياسة، أو مشروع، أو حل.

أخبار ذات صلة

0 تعليق