اللغة العربية ضرورة للاقتصاد - رسيني الرسيني

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

رسيني الرسيني

من المحبط أن تجتمع مع شخص عربي في شركة عربية داخل سوق عربي، ثم يتحول الحوار بالكامل إلى اللغة الإنجليزية بحجة أنها «لغة الأعمال» بينما الحقيقة في كثير من الأحيان لا ترتبط بذلك بقدر ما ترتبط بضعف ممارسة اللغة العربية في البيئة الاقتصادية، أو بعدم اعتيادنا على استخدام العربية كلغة قادرة على استيعاب المفاهيم الحديثة وإدارة النقاشات المهنية. ومع مرور الوقت، لا تتوقف المشكلة عند حدود اللغة، بل تمتد إلى ضعف المفاهيم وارتباك المصطلحات وتهميش الهوية الاقتصادية والثقافية. وحين تفقد اللغة حضورها في الاقتصاد، تفقد معها جزءًا من قدرتها على إنتاج المعرفة محليًا وتكتفي باستيرادها.

ولعل التجارب الدولية تثبت أن التقدم الاقتصادي لا يشترط «لغة الأعمال» إن صح التعبير، بل على العكس، كثير من الاقتصادات الكبرى بنت نهضتها بلغتها الوطنية مثل: اليابان التي استطاعت أن تصبح واحدة من أكبر القوى الصناعية والتقنية في العالم رغم تمسكها باللغة اليابانية في التعليم والإدارة والأعمال، إذ لم تنتظر أن تتحول الإنجليزية إلى لغة يومية داخل مؤسساتها، بل عملت على تطوير المصطلحات وترجمة العلوم وتوطين المعرفة حتى أصبحت اللغة أداة إنتاج لا عائقًا أمامه. والأمر ذاته يمكن ملاحظته في دول مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية والصين، حيث تُدار قطاعات اقتصادية وصناعية وتقنية عملاقة بلغاتها المحلية، مع الانفتاح على اللغات الأخرى بوصفها أدوات إضافية لا بدائل عن الهوية المعرفية الوطنية.

وفي العالم العربي، بدأت تظهر مبادرات تعكس إدراكًا متزايدًا لهذه الفجوة، ومنها إطلاق وزارة المالية «معجم المصطلحات المالية والاقتصادية» بالتعاون مع مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، وهي خطوة تتجاوز فكرة الترجمة التقليدية إلى بناء مرجعية معرفية موحدة تدعم جودة الخطاب الاقتصادي والمالي. فالمشكلة ليست في اللغة العربية، بل في غياب البيئة التي تمارسها كلغة أعمال ومعرفة. ولهذا فإن الحل لا يقتصر على إصدار المعاجم، بل يشمل تطوير المحتوى الاقتصادي العربي وتعزيز حضور العربية في الجامعات والتقارير الفنية والاستفادة من الذكاء الاصطناعي الذي يفتح فرصة تاريخية لإثراء المحتوى العربي وتوحيد المفاهيم الاقتصادية بشكل غير مسبوق.

ومن هذا المنطلق، يأتي اهتمام المملكة باللغة العربية امتدادًا لرؤية 2030 التي أكدت على تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ العمق الثقافي بوصفهما جزءًا من مسار التنمية الشاملة، فكلما ازدادت قدرة المجتمعات على التعبير عن العلوم والاقتصاد بلغتها، ازدادت قدرتها على إنتاج المعرفة بدل استهلاكها فقط. ولهذا فإن تعزيز حضور اللغة العربية في الاقتصاد والتعليم والتقنية لا يعني الانغلاق عن العالم، بل يعني الدخول إليه من موقع أكثر تنوعا واستقلالية، بحيث تكون اللغة شريكًا في التنمية، لا مجرد أداة ترجمة لما ينتجه الآخرون.

حسنًا، ثم ماذا؟

اللغة ليست قضية ثقافية منفصلة عن الاقتصاد، بل جزء من بنيته التحتية الفكرية. وحين تصبح اللغة جزءًا من المشروع التنموي، فإنها لا تحفظ الهوية فقط، وإنما تسهم أيضًا في صناعة الفكر الاقتصادي العربي.

أخبار ذات صلة

0 تعليق