«الجزيرة» - كمال الداية:
حين تجتمع الجودة الفنية مع الإثارة والندية والدراما حتى اللحظة الأخيرة، تكون النتيجة نهائيًا يليق بمكانة دوري أبطال أوروبا. هكذا كان المشهد في بودابست، حيث عاش عشاق كرة القدم ليلة استثنائية امتدت لـ120 دقيقة من المتعة الكروية، قبل أن ينجح باريس سان جيرمان في الاحتفاظ بالكأس القارية للموسم الثاني تواليًا على حساب أرسنال بركلات الترجيح. ولم تكن المباراة مجرد صراع على اللقب، بل كانت عرضًا كرويًا جسد جمال اللعبة وشغفها، وأكد أن العمل الجماعي والثقة بالشباب والالتزام بفلسفة هجومية واضحة قادرة على صناعة المجد في أكبر المحافل الأوروبية.
بداية إنجليزية ورد باريسي
دخل أرسنال المباراة بقوة ونجح في خطف هدف التقدم مبكرًا عن طريق الألماني كاي هافيرتز في الدقيقة السادسة، مستغلًا إحدى الهجمات السريعة ليمنح فريقه أفضلية مبكرة.
ورغم التأخر، لم يتخل باريس سان جيرمان عن أسلوبه القائم على الاستحواذ والضغط العالي وبناء الهجمات من الخلف، وواصل لاعبوه البحث عن الثغرات في الدفاع الإنجليزي وسط مباراة اتسمت بالإيقاع السريع والحضور البدني العالي.وفي الشوط الثاني، تمكن الفرنسي عثمان ديمبيلي من إعادة المواجهة إلى نقطة البداية بعدما سجل هدف التعادل من ركلة جزاء في الدقيقة 65، لتزداد المباراة اشتعالًا وتتحول إلى صراع مفتوح حتى اللحظات الأخيرة.
نهائي يليق بعشاق المتعة
استمرت المواجهة في تقديم لوحة كروية ممتعة طوال الوقتين الأصلي والإضافي، حيث تبادل الفريقان الفرص في ظل صراع تكتيكي واضح بين الإسباني لويس إنريكي ومواطنه ميكيل أرتيتا.
ورغم التنظيم الدفاعي الذي أظهره أرسنال، فإن باريس سان جيرمان كان الطرف الأكثر سيطرة ورغبة في صناعة اللعب، وهو ما عكسته الأرقام التي منحت الفريق الفرنسي استحواذًا بنسبة 72 % مقابل 28 % فقط للفريق الإنجليزي، إضافة إلى 19 تسديدة مقابل 5 محاولات لأرسنال.
ولم تكن المتعة مقتصرة على الأهداف أو الفرص، بل ظهرت في أسلوب باريس الهجومي القائم على التحرك المستمر والضغط العالي، في حين اعتمد أرسنال على التنظيم الدفاعي والارتداد السريع والكرات الثابتة في محاولة لاقتناص اللحظة الحاسمة.
نهائي بين مشروعين ناجحين
ورغم أن اللقب انتهى في خزائن باريس سان جيرمان، فإن أرسنال خرج من النهائي وهو يؤكد أنه بات واحدًا من أقوى المشاريع الكروية في أوروبا. فقد نجح ميكيل أرتيتا في بناء فريق شاب يمتلك هوية واضحة وشخصية تنافسية، أعاد من خلالها النادي اللندني إلى واجهة المنافسة الأوروبية بعد سنوات من الغياب عن المشهد الختامي الكبير.
ورغم خسارة النهائي، فإن وصول أرسنال إلى هذه المرحلة يعكس تطورًا كبيرًا في المشروع الفني، ويؤكد أن الفريق يسير في الطريق الصحيح نحو المنافسة على الألقاب الكبرى خلال السنوات المقبلة.وفي المقابل، واصل باريس سان جيرمان ترسيخ مشروعه الجديد بقيادة لويس إنريكي، الذي أعاد تشكيل هوية الفريق بعيدًا عن الاعتماد على النجوم الفرديين، لصالح منظومة جماعية تعتمد على الانضباط التكتيكي والضغط والسرعة في التحول الهجومي.
وجاء هذا التحول بشكل أكثر وضوحًا بعد رحيل النجم الفرنسي كيليان مبابي، حيث توقع كثيرون تراجع الفريق، لكنه ظهر أكثر توازنًا وصلابة ونجح في حصد دوري أبطال أوروبا مرتين متتاليتين، ليؤكد نجاح فلسفة البناء الجماعي.
مشروع الشباب يصنع المجد
ما يميز باريس سان جيرمان الحالي أنه لم يعد فريقًا يعتمد على نجم واحد، بل تحول إلى منظومة متكاملة تعتمد على لاعبين شباب يمتلكون الحماس والقدرة على التطور وتنفيذ أفكار المدرب داخل الملعب.وأثبت الفريق الباريسي أن النجاح في كرة القدم الحديثة لا يرتبط بالأسماء الكبيرة بقدر ما يرتبط بالهوية الفنية والعمل الجماعي والاستمرارية، وهو ما جعله حاضرًا بقوة في قمة الكرة الأوروبية.
إنريكي.. الإنجاز أهم من الألقاب الشخصية
وعقب المباراة، بدا المدرب الإسباني لويس إنريكي سعيدًا بالإنجاز التاريخي، لكنه تعامل معه بهدوء المعتاد، مؤكدًا أن العمل الجماعي أهم من الأضواء الفردية.وقال: «لدي مشاعر مختلطة، حماس وإرهاق، لكن هذه أفضل لحظة في الموسم. ما زلنا أبطالًا للمرة الثانية على التوالي، إنه أمر مذهل».وأضاف: «كانت مباراة صعبة للغاية، وأهنئ أرسنال، لقد لعبوا بشكل رائع. حاولوا فرض أسلوبهم، ونحن حاولنا السيطرة على الكرة والضغط، وفي النهاية حققنا الفوز».وعندما سُئل عن وصفه بالمدرب الأسطوري، أجاب باقتضاب: «أسطورة؟ لا يهمني ذلك».
ركلات الترجيح تحسم الملحمة
ومع فشل الفريقين في حسم المواجهة خلال الأشواط الإضافية، لجأت المباراة إلى ركلات الترجيح التي ابتسمت لباريس سان جيرمان، بعدما نجح لاعبوه في التعامل مع الضغط بثبات كبير، بينما أهدر أرسنال ركلتين حاسمتين.
وبذلك حسم الفريق الفرنسي اللقب بنتيجة (4-3)، ليواصل كتابة تاريخه القاري ويحتفظ بالكأس الأوروبية للموسم الثاني على التوالي.
وفي النهاية، خرج الجميع من بودابست بقناعة واحدة: أن كرة القدم الحديثة تُصنع بالمشاريع لا بالصدف، وبالعمل الطويل لا باللحظات العابرة، وأن ما قدمه باريس وأرسنال معًا كان دليلًا واضحًا على أن المستقبل في أوروبا سيكون أكثر تنافسًا وإثارة.
ناصر الخليفي يقود باريس إلى قمة أوروبا
وفي ختام ليلة بودابست، يبرز الرئيس العربي ناصر الخليفي كأحد أبرز الأسماء التي أسهمت في صعود باريس سان جيرمان إلى قمة الكرة الأوروبية، من خلال قيادته لمشروع كروي كبير أعاد تشكيل هوية النادي وجعله حاضرًا دائمًا في معترك الكبار.
وتحت إدارته، أصبح باريس سان جيرمان فريقًا كبيرًا داخل فرنسا وقوة بارزة في أوروبا، يجمع بين المتعة الهجومية والطموح المستمر، ليواصل فرض نفسه على منصات التتويج ويؤكد مكانته بين نخبة أندية القارة.





0 تعليق