صبحي شبانة
تنشغل جماهير كرة القدم قبل كأس العالم عادةً بالمباريات الودية، وقوائم المنتخبات، وأسماء النجوم المرشحين لكتابة فصول جديدة من المجد الكروي، تتوالى التوقعات، وتتعالى الأحلام، وتتهيأ المدن المستضيفة لاستقبال أكبر احتفال رياضي على وجه الأرض، غير أن كأس العالم هذه المرة يبدو مختلفاً؛ فبينما تستعد الملاعب لاحتضان الجماهير، تنشغل العواصم بمتابعة خرائط التوتر ومؤشرات التصعيد واحتمالات الحرب والسلام، وفي الوقت الذي تستعد فيه مدينة لوس أنجلوس لاستضافة أولى مباريات المنتخب الإيراني أمام نيوزيلندا، لا تتجه الأنظار إلى المستطيل الأخضر وحده، بل إلى ما يدور خارجه أيضاً من حسابات سياسية وأمنية معقدة، فالعالم الذي على بعد أيام معدودات من انطلاقة كأس العالم في 11 يونيو الجاري ليس هو العالم نفسه الذي مُنحت فيه الولايات المتحدة شرف الاستضافة قبل سنوات، وهو ما يفرض سؤالاً استثنائياً: هل تسبق التسويات السياسية صافرة البداية، أم أن البطولة الأكبر في العالم ستنطلق هذه المرة تحت ظلال الصراعات التي باتت تلاحق البشرية حتى إلى ملاعبها؟
منذ الإعلان عن فوز الولايات المتحدة الأمريكية بتنظيم بطولة كأس العالم تغيرت خرائط كثيرة، وتصاعدت حروب وأزمات، وارتفعت حدة الاستقطاب الدولي بصورة غير مسبوقة، حتى أصبحت السياسة تفرض حضورها بقوة على كل الملفات تقريباً، بما فيها الرياضة التي لطالما اعتُبرت مساحة محايدة خارج نطاق الصراعات، وفي قلب هذه المعادلة المعقدة يبرز سؤال يزداد أهمية يوماً بعد آخر: هل ستنجح الجهود السياسية والدبلوماسية في احتواء التوترات الإقليمية قبل انطلاق البطولة، أم أن العالم قد يجد نفسه أمام كأس عالم تُقام في ظل أجواء حرب مفتوحة وصراعات متصاعدة؟، السؤال لا يبدو نظرياً أو افتراضياً كما كان في السابق، بل أصبح مرتبطاً بوقائع حقيقية تتكشف على الأرض، خصوصاً مع مشاركة المنتخب الإيراني في النهائيات واستمرار حالة التوتر بين طهران وواشنطن، في وقت ما تزال فيه منطقة الشرق الأوسط تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ عقود.
لعل المفارقة اللافتة أن المنتخب الإيراني سيكون من أوائل المنتخبات التي تدخل أجواء البطولة، حيث من المقرر أن يخوض مباراته الأولى أمام منتخب نيوزيلندا يوم 15 يونيو في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، في لقاء يفترض أن يكون حدثاً رياضياً خالصاً، لكنه تحول بالفعل إلى قضية سياسية وإعلامية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
ففي الوقت الذي حصل فيه اللاعبون وأغلب أعضاء الجهاز الفني على تأشيرات الدخول اللازمة للمشاركة في البطولة، واجه عدد من أعضاء الجهاز الإداري والتنفيذي والفني والإعلامي الإيراني صعوبات كبيرة في الحصول على التأشيرات الأمريكية، ما أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط الرياضية والسياسية على حد سواء، وبسبب هذه التعقيدات اضطرت البعثة الإيرانية إلى إعادة ترتيب الكثير من خططها اللوجستية، فيما انتقلت بعض ترتيبات الإقامة والتحضير إلى خارج الأراضي الأمريكية، في مشهد يعكس حجم التداخل المتزايد بين السياسة والرياضة في عالم اليوم.
هذه الأزمة قد تبدو للبعض تفصيلاً إدارياً محدود التأثير، لكنها في الواقع تحمل دلالات أعمق بكثير، فهي تكشف أن كأس العالم المقبلة لن تكون مجرد منافسة بين المنتخبات، بل ستكون أيضاً اختباراً لقدرة المؤسسات الرياضية الدولية على حماية الرياضة من تداعيات الأزمات السياسية والجيوسياسية.
الحقيقة أن العلاقة بين الرياضة والسياسة ليست جديدة، فالتاريخ الحديث مليء بالأمثلة التي تحولت فيها البطولات الرياضية إلى ساحات للتنافس السياسي والرمزي بين الدول، لكن ما يميز المشهد الحالي هو أن العالم يواجه احتمال تزامن أكبر حدث رياضي عالمي مع واحدة من أكثر الأزمات الإقليمية تعقيداً وخطورة، فإذا استمرت التوترات العسكرية في الشرق الأوسط أو تصاعدت خلال الأيام المقبلة، فإن انعكاساتها قد تمتد إلى مختلف جوانب البطولة، بدءاً من ترتيبات السفر والأمن، وصولاً إلى الاقتصاد العالمي والتغطيات الإعلامية، فكأس العالم اليوم لم تعد مجرد بطولة رياضية، بل أصبحت صناعة عالمية ضخمة تتجاوز قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، مئات الشركات الراعية، وآلاف المؤسسات الإعلامية، وملايين المشجعين من مختلف القارات يخططون لحضور هذا الحدث أو متابعته، وأي اضطراب أمني أو سياسي واسع النطاق في منطقة حيوية مثل الشرق الأوسط ستكون له تداعيات مباشرة على الأسواق العالمية، وعلى حركة الطيران والسفر، وعلى أسعار الطاقة، وهي عوامل ترتبط بصورة مباشرة بنجاح البطولة وتنظيمها.
كما أن استمرار الحرب أو اتساع نطاقها قد يفرض تحديات أمنية إضافية على الدولة المستضيفة، خاصة مع مشاركة منتخبات وجماهير من مناطق تشهد توترات سياسية وأمنية معقدة، ومن زاوية أخرى، فإن الولايات المتحدة نفسها تجد نفسها أمام اختبار استثنائي، فهي لا تستضيف بطولة رياضية فحسب، بل تستضيف حدثاً عالمياً في لحظة دولية شديدة الحساسية، فالنجاح التنظيمي للبطولة لن يقاس فقط بجمال الملاعب أو جودة البنية التحتية أو نسب المشاهدة، بل سيقاس أيضاً بقدرة الدولة المستضيفة على توفير بيئة يشعر فيها الجميع بأن الرياضة ما زالت قادرة على تجاوز الخلافات السياسية.
وفي هذا السياق تبدو المباراة الأولى للمنتخب الإيراني أمام نيوزيلندا أكثر من مجرد مواجهة كروية في دور المجموعات، فهي ستكون لحظة رمزية يراقبها العالم بدقة، ليس فقط لمعرفة نتيجة المباراة، بل لمعرفة كيف ستسير العلاقة بين السياسة والرياضة على أرض الواقع، فالعالم سيراقب المنتخب الإيراني وهو يدخل الأراضي الأمريكية للمشاركة في البطولة، كما سيراقب طريقة تعامل المؤسسات الرياضية الأمريكية والدولية مع هذه المشاركة، في ظل التوترات القائمة بين البلدين.
لكن السيناريو الأكثر أهمية يبقى مرتبطاً بمستقبل الأزمة الإقليمية نفسها، فهل تتجه المنطقة نحو مزيد من التصعيد، أم أن المصالح الدولية الكبرى ستدفع نحو تسويات سياسية تقلل من احتمالات الانفجار؟
التاريخ يشير إلى أن القوى الكبرى غالباً ما تسعى إلى تجنب الأزمات الكبرى قبل المناسبات العالمية المهمة، ليس بدافع المثالية السياسية، وإنما انطلاقاً من حسابات المصالح والاستقرار الاقتصادي.
فالعالم يدرك أن استمرار الصراعات الكبرى ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، ويؤثر في التجارة والطاقة والاستثمار، وهي ملفات لا تقل أهمية عن الملفات العسكرية والسياسية، ومن هنا قد تصبح الأيام والساعات التي تسبق البطولة فترة حاسمة ليس فقط بالنسبة للمنتخبات المشاركة، وإنما أيضاً بالنسبة للدبلوماسية الدولية، فإذا نجحت الجهود السياسية في الوصول إلى تفاهمات أو تهدئة إقليمية، فقد تتحول البطولة إلى رسالة أمل تؤكد قدرة العالم على إدارة خلافاته وتجنب الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
أما إذا استمرت الأزمات الحالية أو تصاعدت بصورة أكبر، فقد يجد العالم نفسه أمام مشهد غير مسبوق، حيث تتقاسم أخبار المعارك والصواريخ والعقوبات الاقتصادية عناوين الصحف مع أخبار المباريات والمنتخبات والنجوم، وعندها لن يكون السؤال من سيفوز بكأس العالم فقط، بل أي صورة سيقدمها العالم عن نفسه خلال هذه البطولة، هل سيقدم صورة عالم قادر على تجاوز خلافاته والبحث عن مساحات مشتركة تجمع الشعوب؟، أم سيقدم صورة عالم تلاحقه الأزمات حتى داخل الملاعب التي يفترض أن تكون رمزاً للوحدة والتنافس الشريف؟
في النهاية، قد لا تكون القضية الحقيقية هي مشاركة المنتخب الإيراني أو أزمة التأشيرات أو حتى نتائج المباريات، بل ما تمثله هذه البطولة من اختبار لقدرة البشرية على الفصل بين ساحات الصراع ومساحات الأمل، فبين طهران ولوس أنجلوس، وبين الحرب والسلام، وبين الحسابات السياسية وأحلام الجماهير، يقف كأس العالم 2026 أمام مهمة تتجاوز حدود الرياضة نفسها.
وعندما تنطلق صافرة انطلاق مباريات كأس العالم في الحادي عشر من يونيو، ستكون الأنظار متجهة إلى الملعب، لكن العقول ستظل منشغلة بسؤال أكبر: هل نجح العالم في إبعاد شبح الحرب عن أكبر احتفال رياضي على وجه الأرض، أم أن البطولة ستقام هذه المرة تحت ظلال الصراعات التي باتت تلاحق الجميع؟، ذلك هو السؤال الذي سيبقى مطروحاً حتى اللحظة الأخيرة، وربما حتى ما بعد رفع المنتخب الفائز بالكاس الأغلى في تاريخ الرياضة العالمية.




0 تعليق