باسم سلامة القليطي
بعد أيام قليلة ستتجه أنظار العالم إلى نسخة جديدة من المونديال. ستُرفع الأعلام، وتمتلئ المقاهي، وتشتعل منصات التوقعات حول هوية البطل القادم. لكنني كلما اقترب موعد هذا المحفل، وجدت نفسي أتساءل: هل يتابع الناس كأس العالم لمعرفة الفائز باللقب فحسب؟ لو كانت الأرقام هي الغاية، لاكتفينا بمطالعة النتيجة النهائية ودخلنا في صلب الإحصاء. غير أن الحقيقة تبدو أعمق؛ فنحن لا ننتظر الكأس بقدر ما نترقب الحكايات التي تولد في المنعطفات وتُكتب على الطريق إليه.
كرة القدم في ظاهرها لعبة بسيطة؛ اثنان وعشرون لاعباً يركضون خلف كرة. لكن هذه البساطة تخفي وراءها عالماً ممتداً من الفلسفة الإنسانية. فكل لاعب يحمل رحلة، وكل منتخب يجرّ وراءه حلم أمة، والمستطيل الأخضر لا يعود مجرد عشب، بل يتحول إلى مسرح تُعرض عليه فصول النجاح، والإخفاق، والصبر، والمفاجأة. ولهذا السبب تحديداً، تبقى بعض المباريات عالقة في الذاكرة لعقود، ليس لأنها انتهت بنتيجة معينة، بل لضخامة الإرادة الإنسانية التي تجلت فيها.
أجمل ما في هذا المحفل العالمي أنه لا يقدم لنا سياقاً جاهزاً، بل يترك الحكاية تتشكل وتتنفس أمام أعيننا. في كل نسخة، يخرج لاعب من عتمة المجهول ليصبح حديث الشاشات، ويبرز منتخب لم يكن في الحسبان ليعيد ترتيب خارطة التوقعات. نحن لا نعرف اليوم هوية من سيحمل الكأس الذهبية، لكننا نعرف يقيناً أن هناك قصة مدهشة تنتظر من يرويها.
ولعل أجمل مثال حديث على ذلك ما حدث في كأس العالم 2022. فقبل انطلاق البطولة، لم يكن كثيرون يتوقعون أن يصل المنتخب المغربي إلى المربع الذهبي. لكن الحكاية بدأت تتشكل مباراة بعد أخرى؛ تعادل مع المنتخب الكرواتي وصيف العالم، ثم تجاوز المنتخب البلجيكي، وأقصى المنتخب الإسباني بطل العالم 2010، ثم أطاح بالمنتخب البرتغالي المدجج بالنجوم. ومع كل خطوة كان الحلم يكبر، وكانت الجماهير العربية والأفريقية ترى أمامها قصة تتجاوز حدود كرة القدم نفسها. لم يكن المشهد مؤثراً بسبب مركز في جدول البطولة فحسب، بل لأن الناس رأت فريقاً يرفض الانصياع للتوقعات، ويثبت أن الإيمان بالفكرة والعمل الجماعي قد يدفعان الإنسان إلى أماكن لم يتخيلها الآخرون له. وحتى بعد انتهاء البطولة، بقيت تلك الرحلة حاضرة في الذاكرة أكثر من غيرها من النتائج التي سبقتها أو لحقتها.
تأملت يوماً في رمزية لوكا مودريتش؛ الرجل الذي لم تبدأ حكايته في الملاعب المضيئة، بل تحت ظلال الحروب وقسوة النزوح. حين يتابع الناس مسيرته، هم لا يصفقون لمهارة كروية مجردة، بل يتفاعلون مع انتصار إنساني نبيل: قدرة الذات على تجاوز انكسارات الواقع وصناعة الغد رغم وطأة العوائق. وتتكرر الفكرة بنفَس آخر في رحلة ليونيل ميسي؛ سنوات من الخيبات والانتقادات سبقت لحظة التتويج الكبرى. لم يكن المشهد مؤثراً لأن لاعباً نال الذهب، بل لأن الملايين رأوا في تلك اللحظة نهاية فصل طويل من الصبر؛ رأوا فيها انعكاساً لأحلامهم الشخصية المؤجلة، وآمالهم التي ما زالت تبحث عن فرصة أخيرة.
هذا يفسر سر التعلق البشري الأزلي بالقصص؛ فالناس ينسون الأرقام وينحّون الإحصاءات جانباً، لكنهم يتذكرون جيداً من سقط ثم نهض، ومن واجه المستحيل فانتصر.
وعندما تنطلق صافرة البداية قريباً، سيشغل العالم سؤال مألوف: من سيرفع الكأس؟ لكن سؤالاً آخر، أكثر عمقاً ورسوخا، سيبقى يتردد في الوعي: ما الحكاية التي ستولد هذه المرة؟ من سيخرج من الظل إلى الضوء؟ تلك هي المتعة الحقيقية؛ فالكؤوس تُرفع ثم تُحفظ باردة في المتاحف، أما الحكايات الدافئة فتظل حية، تسكن الذاكرة، وتنتقل من جيل إلى جيل، لتذكرنا بأن الإنسان سيبقى دوماً عاشقاً للقصص التي تمنحه الأمل.




0 تعليق