رسيني الرسيني
مع تطور النظام المالي الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت العملات الأجنبية -وفي مقدمتها الدولار الأمريكي- المكون الرئيسي للاحتياطيات لدى البنوك المركزية. إلا أن الفترات الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا في توجهات العديد من الدول نحو الاهتمام بزيادة الشراء للذهب، ويبدو أن هذا الاهتمام لا يرتبط بعوائد استثمارية مرتفعة بقدر ارتباطه بالرغبة في تعزيز المرونة المالية في عالم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية وتتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات السياسية. فالأزمات المتلاحقة والعقوبات المالية وتجميد بعض الأصول الأجنبية دفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في هيكل احتياطياتها، بحثًا عن أدوات تمنحها قدرة أكبر على مواجهة الظروف الاستثنائية.
تشير البيانات الحديثة إلى أن الذهب أصبح يشكل 27 % من الاحتياطيات العالمية، متجاوزًا حصة سندات الخزانة الأمريكية البالغة 22 % للمرة الأولى منذ عقود. كما أظهرت نتائج استطلاع مجلس الذهب العالمي لعام 2026م أن 89 % من البنوك المركزية تتوقع استمرار نمو احتياطيات الذهب العالمية خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، فيما تعتزم 45 % من البنوك المركزية زيادة حيازاتها من الذهب، وهي أعلى نسبة منذ بدء الاستطلاع. بالإضافة إلى ذلك، يرى 84 % من المشاركين في الاستطلاع - وعددهم 76 بنكاً مركزياً - أن الذهب سيستحوذ على حصة أكبر من الاحتياطيات الدولية خلال السنوات الخمس القادمة، وهي مؤشرات تعكس تحول تدريجي في طريقة إدارة الاحتياطيات الرسمية حول العالم.
ومن خلال النظر إلى هذه التحولات من الممكن القول إنها مرتبطة بسعي البنوك المركزية الدائم إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية عند إدارة احتياطياتها، وهي السيولة والأمان والعائد، إذ إن الذهب لا يصدر عن حكومة معينة ولا يعتمد على التزام جهة سيادية بالسداد، كما أنه لا يرتبط مباشرة بالسياسات النقدية أو المالية لدولة بعينها. ولهذا السبب، يمكن النظر إلى زيادة حيازات الذهب على أنها جزء من إستراتيجية أوسع لتنويع الأصول وتوزيع المخاطر. كما أن الاحتفاظ بجزء من الاحتياطيات في أصول محايدة يساهم في تعزيز استقلال القرار الاقتصادي للدول، ويمنحها هامشًا أكبر من المناورة عند التعرض لصدمات مالية أو ضغوط خارجية قد تؤثر على قدرتها في استخدام أصولها الأجنبية.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذه التحولات على أنها إعلان عن تراجع وشيك للدولار أو نهاية للنظام النقدي الدولي القائم، فالدولار ما يزال العملة الأكثر استخدامًا في التجارة العالمية والأسواق المالية، كما أن جزءًا كبيرًا من الاحتياطيات العالمية ما زال مقومًا به. إلا أن الاتجاه المتزايد نحو الذهب يعكس إدراكًا متناميًا بأن الاستقلال المالي لا يتحقق من خلال الانعزال عن الاقتصاد العالمي، وإنما من خلال تنويع مصادر القوة المالية والحد من الاعتماد المفرط على أصل واحد. فالذهب لا ينافس العملات الرئيسية بقدر ما يمثل وثيقة تأمين سيادية، تساعد الدول على حماية قراراتها الاقتصادية، بحيث لا تتحول العملات الأجنبية في أوقات الأزمات إلى ورقة ضغط سياسية.
حسنًا.. ثم ماذا؟
بين الهيمنة النقدية ومتطلبات السيادة الاقتصادية، تعمل البنوك المركزية في العالم على تحقيق التوازن المطلوب بين الدولار والذهب.












0 تعليق