من الذاكرة إلى المستقبل: الألكسو - مركز الملك فيصل... الثقافة مشروع حضاري عربي - حذامي محجوب

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حذامي محجوب

في الخامس عشر من مايو، تحولت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس إلى فضاء عربي نابض بالفكر والثقافة، بمناسبة زيارة صاحب السمو الملكي تركي الفيصل الذي أشرف على تدشين كرسي الألكسو للصنائع العربية الإسلامية، وسط حضور لافت ضم مثقفين وإعلاميين ودبلوماسيين وشخصيات أكاديمية وفكرية عربية. وقد جرى الاحتفال داخل قاعة السعودية بمقر الألكسو، في خطوة حملت رمزية كبيرة تعكس اهتمام المملكة العربية السعودية بالمنظمة ومشاريعها الثقافية والمعرفية، وإيمانها بدورها في مدّ الجسور بين الشعوب العربية وصون الذاكرة الحضارية المشتركة، وهو المعنى الذي ركز عليه الأمير تركي الفيصل في كلمته ومحاضرته خلال الزيارة. وقد كان مرفقاً بسفير خادم الحرمين الشريفين لدى الجمهورية التونسية عبد العزيز بن علي الصقر والوفد المرافق له، في مشهد عكس تلاقي الدبلوماسية بالثقافة ضمن رؤية عربية تتجاوز الطابع البروتوكولي نحو مشروع حضاري أوسع.

وشهدت الفعالية حضور مستشار رئيس الجمهورية التونسية السيد وليد الحجام، إلى جانب المدير العام لـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم محمد ولد أعمر، فضلا عن عدد من الإعلاميين ورؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدين في تونس، في صورة عكست حجم الرهان العربي على الثقافة والمعرفة بوصفهما مساحة جامعة تتجاوز الحسابات السياسية الآنية نحو أفق حضاري أكثر عمقاً واستدامة.

وقد ألقى الأمير تركي الفيصل محاضرة شرفية بمقر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، استعرض فيها الدور الذي يضطلع به مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في خدمة الفكر والبحث العلمي، وما راكمه من إسهامات نوعية في مجالات الدراسات والتوثيق وحفظ الذاكرة العربية والإسلامية، إضافة إلى دعمه للمشاريع الفكرية والمعرفية التي جعلت منه واحداً من أبرز الصروح الثقافية في العالم العربي.

ولم يكن تدشين كرسي الألكسو للصنائع العربية الإسلامية مجرد حدث أكاديمي، بل بدا أقرب إلى إعلان عربي جديد عن ضرورة إعادة الاعتبار للصنائع العربية والإسلامية باعتبارها جزءا أصيلا من الهوية الحضارية للأمة، ورافدا اقتصاديا وثقافيا قادراً على الإسهام في بناء نموذج تنموي عربي أكثر ارتباطا بجذوره التاريخية والثقافية.

فالصنائع ليست مجرد مصنوعات تراثية جامدة، بل ذاكرة حية للشعوب، تختزن داخلها قصص الإنسان العربي، وذائقته الجمالية، وخبراته المتراكمة عبر قرون طويلة من الإبداع والعمل والمهارة، ومن هنا تأتي أهمية هذا المشروع الذي يسعى إلى نقل التراث من دائرة الحفظ الكلاسيكي إلى فضاء الاستثمار الثقافي والمعرفي، بما يسمح بتحويله إلى قوة ناعمة قادرة على صناعة القيمة الاقتصادية والرمزية في آن واحد.

وفي زمن تتسابق فيه الأمم نحو الاقتصاد الإبداعي والصناعات الثقافية، تبدو مثل هذه المبادرات العربية بمثابة محاولة ذكية لاستعادة العلاقة بين الهوية والتنمية، وبين الثقافة والمستقبل، خاصة في ظل عالم باتت فيه المعارك الكبرى تُحسم أيضاً عبر امتلاك المروية الحضارية والقدرة على التأثير الثقافي وصناعة الصورة الذهنية أمام العالم.

ومن هذا المنطلق، يمثل كرسي الألكسو للصنائع العربية الإسلامية شراكة حضارية بين المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ورهانا عربيا على تحويل التراث من مجرد ذاكرة للماضي إلى مشروع للمستقبل، يجمع بين المعرفة والهوية والتنمية، ويعيد للثقافة العربية دورها كأحد أهم مفاتيح الحضور والتأثير في عالم سريع التحول.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق