عن التاريخ والتأريخ - م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي

1 - يتساءل الناس نخباً وعامة: كيف نتعلَّم من التاريخ إذا كان التاريخ هو ما يكتبه المنتصر؟! وماذا عسانا أن نتعلَّم من التاريخ إذا كان في معظم تفاصيله مكذوباً أو مزوَّراً؟ وهل هناك تعريف محدد لماهية التاريخ، وهل له تعريف نخبوي وآخر عامي؟ وهل التاريخ موضوع قابل للتفسير والتأويل، الذي يبرر اختلاف التفاسير والتأويلات؟

2 - لا أحد يجادل في أن كل مؤرِّخ يكتب حسب زاوية الرؤية التي ينظر من خلالها، ثم يؤطر الحدث بالشكل الذي يروق له ويتفق مع أهدافه ومصالحه، من هنا يظهر حجم التباين، بل التناقض في كثير من القراءات التاريخية.. وهذا يعني أن التاريخ مفهوم ملتبس ومعقد، كما يعني أيضاً أن قضية التعلّم من التاريخ أمر فيه نظر، فكيف نتعلَّم من التاريخ الذي تم تأويله بشكل خاطئ إما عمداً أو سهواً؟

3 - ما يكتبه المؤرِّخ هو نص بشري قابل للتأويل، واختلاف التفسيرات سيكون بلا شك باختلاف الأشخاص المتلقين من قراء، وباختلاف المؤرِّخين في طريقة كتابة التاريخ.. فالمكتوب نص يمثِّل الإطار الذي وضعه المؤرِّخ للحدث، وهو لا يزيد على أن يكون وجهة نظر المؤرِّخ أكثر منه حقيقة ثابتة.

4 - أحداث العالم العربي اليوم، كيف سيؤرِّخ لها المؤرِّخ السعودي مثلاً أو العراقي الشيعي أو العراقي السني أو المغربي العروبي أو المغربي الأمازيغي، وهكذا.. هل تراهم سيتفقون في زاوية الرؤية في وصف أحداثها؟ بالتأكيد لا.. هل سيرى المؤرِّخون من مختلف المذاهب والمناطق في العالم العربي الأحداث بذات الإطار، وهل سيروونها بذات الاتجاه؟ بكل تأكيد لا.. ولا شك أن الأطر التي ستهيمن على المؤرِّخين هي الأطر المذهبية ممثلةً في شيعي وسُنِّي، والقومية ممثلةً في كردي وعربي وفارسي، أو دينية ممثلةً في إسلامي وعلماني، أو مناطقية جغرافية أو سياسية مصلحية.. تلك هي الأطر التي هيمنت على كتابة التاريخ وأضعفت كثيراً من مصداقية المؤرِّخ.

5 - متى بدأ التأريخ وما هو أول شيء تم التأريخ له؟ المتفق عليه أن كل المجتمعات بدأت بتأريخ التكوين، أي كيف حدث الخلق وإلى أين سيمتد.. وبذلك فإن تاريخ التكوين حسب الفكر السومري كان أول محاولة لكتابة تاريخ، ومهما كان ذلك التاريخ متخيلاً إلا أنه يظل أول تاريخ.

6 - أقدم التواريخ المدوّنة هي أسفار موسى الخمسة التي يُقال إنها دونت حوالي (900) سنة قبل الميلاد.. وأول من نقد الروايات التاريخية هو (هكتابوس) الملطى اليوناني وذلك في القرن السادس قبل الميلاد.. وقد كتب: «ولست أثبت هنا إلا الحكاية التي أعتقد بصحتها، فإن أساطير اليونان كثيرة وهي عندي حديث خرافة».

7 - كتب المحدث الشهير (أبو حاتم الرازي): «إذا كتبت فقَمِّش (أي اجْمَع)، وإذا حَدَّثت ففَتِّش».. ويقصد (الرازي) -رحمه الله- أن من يتصدى لتدوين التاريخ يجب عليه تجميع الأصول فهي أس التاريخ، ومن ثم التفتيش عن حقيقة تلك الأصول وتدقيقها.. وحسب رأي (الدكتور أسد رستم) لا بد للمؤرِّخ من دراسة العلوم الموصلة التي تدعم فحص وتحليل أصول التاريخ المجمعة، ثم بعد ذلك تدخل في نقد الأصول فبعضها مزوَّر ومدسوس وبعضها ضعيف أو مبالغ فيه.

8 - التاريخ هو رؤيتنا الذاتية المحضة المتشكلة بعاطفتنا وتربيتنا ومصالحنا وتصوراتنا وعاداتنا ...إلخ.. أي أن التاريخ هو ما تعلمناه وما نعتقده وليس بالضرورة هو الواقع.

9 - شك شاعرنا القديم بالتاريخ فقال: نظرت في أمر الحاضرين فراعني.. فكيف بأمر الغابرين أصَدِّق.

10 - أن تؤرِّخ.. أنت حتماً منحاز.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق