(14)
رصاصات المونديال.. النهاية المأساوية لإسكوبار
تعد هذه القصة هي الفصل الأكثر سواداً ومأساوية في تاريخ كأس العالم، حيث تحولت كرة القدم من لعبة للمتعة إلى دافع للقتل العمد في الشوارع، وضحيتها كان المدافع الكولومبي أندريس إسكوبار.
دخلت كولومبيا مونديال أمريكا 1994 وهي تعيش عصراً مميزاً لكرتها، لدرجة أن الأسطورة البرازيلي بيليه رشحها للفوز باللقب العالمي بفضل نجومها مثل فالديراما وأسبريا.
لكن كولومبيا كانت تعاني داخلياً من سطوة مافيات المخدرات والمراهنات غير المشروعة التي كانت تضخ أموالاً هائلة في المراهنة على نتائج مباريات المنتخب.
في المباراة الثانية بدور المجموعات ضد أصحاب الأرض، الولايات المتحدة، كان منتخب كولومبيا يمر بضغوط نفسية رهيبة وتلقى اللاعبون تهديدات بالقتل في فندقهم.
في الدقيقة 34 من الشوط الأول، زحف لاعب أمريكي ليمرر كرة عرضية خطيرة، حاول المدافع الخلوق أندريس إسكوبار تشتيت الكرة بزحلقة سريعة، لكن الكرة اصطدمت بقدمه وتحولت إلى داخل مرمى حارسه أوسكار كوردوبا بالخطأ. خسرت كولومبيا 2-1 وخرجت مبكراً من المونديال.
عاد إسكوبار إلى بلاده حزيناً، ورغم نصائح أصدقائه بالبقاء في المنزل حتى تهدأ عاصفة الغضب، إلا أنه قرر الخروج للقاء الناس وممارسة حياته بشكل طبيعي.
وفي ليلة 2 يوليو 1994، وخارج إحدى الحانات في مدينة ميديلين، حاصره ثلاثة رجال وامرأة ينتمون لعصابة مخدرات خسرت أموالاً طائلة في المراهنات.
تلاسنوا معه بسبب الهدف، ثم أخرج أحدهم مسدساً وأطلق على إسكوبار 12 رصاصة قاتلة في ظهره.
ووفقاً للشهود، كان القاتل يصرخ مع كل رصاصة يطلقها بأسلوب معلقي الكرة اللاتينيين: «جوول».
صدمت الحادثة العالم، وحضر جنازته أكثر من 120 ألف مشجع، لتظل دماء إسكوبار وصمة عار أبدية تذكر بتوحش الجريمة عندما تلتهم الرياضة.
(15)
ليلة الأرقام الخالدة.. سالينكو وروجيه ميلا
شهد مونديال أمريكا 1994 تحطيم العديد من الأرقام القياسية الفردية في مباراة واحدة مجنونة جمعت بين منتخبي روسيا والكاميرون في دور المجموعات، وهي المباراة التي دخلت التاريخ ليس بسبب نتيجتها الكبيرة (6-1) لروسيا، بل بسبب الأرقام الفريدة التي سُجلت فيها ولم تُكسر حتى يومنا هذا.
كان البطل الأول في هذه المباراة هو المهاجم الروسي أوليغ سالينكو. نجح سالينكو في تقديم عرض هجومي خارق وسجل بمفرده 5 أهداف في شباك الكاميرون (في الدقائق 16، 41، 44، 72، 75).
بهذا الإنجاز، أصبح سالينكو اللاعب الوحيد في تاريخ كأس العالم الذي يسجل خمسة أهداف في مباراة واحدة بالمونديال.
والمثير للدهشة أن سالينكو، ورغم خروج روسيا من الدور الأول، توج بلقب هداف البطولة بالتساوي مع البلغاري ستويتشكوف برصيد 6 أهداف، لكنه لم يسجل أي هدف دولي آخر لبلاده بعد تلك البطولة!
في نفس المباراة وعلى الجانب الآخر، كان العالم على موعد مع لقطة تاريخية بطلها الأسطورة الكاميروني العجوز روجيه ميلا.
كان ميلا قد قاد بلاده لإنجاز ربع النهائي في 1990 واعتزل، لكنه عاد بطلب رئيس الدولة بول بيا في 1994.
في الشوط الثاني ضد روسيا، شارك كبديل ونجح في تسجيل هدف الكاميرون الوحيد.
في تلك اللحظة، كان عمر روجيه ميلا بدقة 42 عاماً و39 يوماً، ليصبح رسمياً أكبر لاعب يسجل هدفاً في تاريخ كأس العالم، وهو رقم يبدو صامداً وعصياً على الكسر في ظل كرة القدم الحديثة.
(16)
سهم العويران.. الليلة التي حيّا فيها العالم الأخضر
دخل المنتخب السعودي مونديال أمريكا 1994 وهو يسجل حضوره الأول في تاريخ المونديال، وسط توقعات متواضعة من النقاد العالميين الذين اعتبروا «الأخضر» مجرد ضيف شرف في مجموعة تضم عمالقة مثل هولندا وبلجيكا والمغرب.
لكن الجيل الذهبي للكرة السعودية بقيادة المدرب الأرجنتيني خورخي سولاري (الذي جاء بتوصية أسداها الرئيس الأرجنتيني حينها كارلوس منعم إلى الملك فهد بن عبد العزيز)، قلب التوقعات وصنع ملحمة تاريخية لا تُنسى.
بعد خسارة مشرفة أمام هولندا 2-1، وفوز مثير على المغرب بذات النتيجة، وصلت السعودية إلى المباراة الحاسمة في الجولة الأخيرة ضد منتخب بلجيكا القوي (الذي كان يضم أفضل حارس في العالم حينها ميشيل برودوم) على ملعب «روبرت كينيدي» في واشنطن وسط درجة حرارة مرتفعة ورطوبة خانقة.
وفي الدقيقة الخامسة من المباراة، حدثت اللقطة التي خلدت اسم النجم السعودي سعيد العويران في سجلات الأساطير.
تسلم العويران الكرة من قبل منتصف ملعب المنتخب السعودي، وبدلاً من التمرير، اتخذ قراراً جريئاً بالانطلاق الفردي.
ركض كالسهم (أو كـ»غزال يرمح» كما وصفه المعلق علي داود) مخترقاً الحواجز البلجيكية، راوغ المدافع الأول، ثم تجاوز الثاني بمهارة وسرعة فائقة، وشق طريقه وسط ثلاثة مدافعين آخرين حاولوا اللحاق به دون جدوى.
وعندما واجه الحارس المرعب برودوم، سدد الكرة بثبات في سقف المرمى وهو يسقط أرضاً من شدة الإعياء.
قطع العويران مسافة تقارب 70 متراً في بضع ثوانٍ، واختير هدفه لاحقاً كواحد من أفضل الأهداف في تاريخ كأس العالم، وشُبه بهدف مارادونا ضد إنجلترا 1986.
حافظ الدفاع السعودي وحارس المرمى محمد الدعيع على التقدم، لتفوز السعودية بهدف نظيف وتتأهل لدور الـ 16 في إنجاز إعجازي من المشاركة الأولى ومن المرات القليلة التي يتأهل فيها منتخب عربي من الدور الأول، لينال الأخضر احترام العالم ويصبح سعيد العويران حديث الصحف والمجلات والتلفزيونات العالمية.
(17)
لغز رونالدو.. الليلة الغامضة قبل نهائي باريس
تظل ليلة نهائي كأس العالم 1998 في باريس بين فرنسا والبرازيل واحدة من أكبر الألغاز الغامضة والمثيرة للجدل في تاريخ الساحرة المستديرة، وبطلها هو المهاجم البرازيلي الشاب واللاعب رقم 1 في العالم حينها، رونالدو نازاريو (الظاهرة).
كان رونالدو هو النجم المطلق للبطولة، وسجل 4 أهداف وقاد البرازيل للنهائي بسهولة.
وقبل المباراة النهائية بساعات قليلة، وزعت إدارة المونديال القائمة الرسمية لتشكيلة البرازيل على الصحفيين، وكانت المفاجأة الصاعقة: اسم رونالدو لم يكن موجوداً في التشكيلة الأساسية، ووُضع بدلاً منه المهاجم إدموندو!
ساد خليط من الذهول والهرج والوجوم أجواء المركز الإعلامي، وبدأت الشائعات تتدفق كالسيل.
تبين لاحقاً أن رونالدو، وبعد تناول وجبة الغداء، عانى من تشنجات عصبية حادة ونوبة صرع مفاجئة في غرفته، وبدأ يرتجف ويفقد وعيه ويزبد فمه.
ركض زميله في الغرفة روبرتو كارلوس يصرخ طالباً المساعدة، وتدخل الأطباء لإعطائه مهدئات ونُقل سريعاً إلى المستشفى لإجراء فحوصات على الدماغ.
قبل المباراة بنصف ساعة فقط، عاد رونالدو من المستشفى ودخل غرف الملابس بملعب «ستاد دي فرانس»، وأصر على اللعب قائلاً للمدرب زاجالو: «أنا بخير، يجب أن أشارك».
خضع المدرب للضغط، وتغيرت القائمة في اللحظات الأخيرة، لكن في أرض الملعب، ظهر رونالدو كشبح وجسد بلا روح، تائهاً، بطيئاً، وفاقداً للتركيز.
استغلت فرنسا بقيادة فنانها زين الدين زيدان انهيار معنويات البرازيل وسحقتهم بنتيجة ثلاثة أهداف دون مقابل، لتتوج باللقب الأول.
انطلقت بعد ذلك نظريات المؤامرة، ومنها أن اتُهمت شركة «نايكي» للمستلزمات الرياضية (الراعي الرسمي للبرازيل) بإجبار المدرب على إشراك رونالدو لأسباب تسويقية رغم خطورة حالته الصحية، لكن الحقيقة الكاملة ظلت مدفونة على أرض باريس.
(18)
فضائح التحكيم في كوريا.. وأسرع هدف في تاريخ المونديال
أقيمت كأس العالم عام 2002 لأول مرة في قارة آسيا وبتنظيم مشترك بين كوريا الجنوبية واليابان.
ورغم نجاحها الجماهيري، إلا أنها ارتبطت في الذاكرة بقرارات تحكيمية كارثية ومثيرة للشبهات، صبّت في مصلحة أحد أصحاب الأرض، منتخب كوريا الجنوبية، الذي حقق مفاجأة بالوصول لنصف النهائي قبل أن يختتم مشواره بالمركز الرابع.
المأساة التحكيمية الأولى تجلت في مباراة ثمن النهائي بين كوريا وإيطاليا، وأدارها الحكم الإكوادوري بايرون مورينو.
ألغى مورينو هدفاً صحيحاً لإيطاليا بداعي التسلل، وطرد النجم فرانشيسكو توتي بمنحه بطاقة صفراء ثانية بدعوى التحايل والسقوط (رغم وجود عرقلة)، وتغاضى عن خشونة مفرطة من لاعبي كوريا، لتفوز كوريا بالهدف الذهبي.
بعد سنوات، سيتم اعتقال الحكم مورينو في مطار نيويورك بتهمة تهريب المخدرات!
لاحقاً، واجهت كوريا منتخب إسبانيا في ربع النهائي، بإدارة تحكيمية من المصري جمال الغندور، وشهدت المباراة إلغاء هدفين صحيحين لإسبانيا، أحدهما بحجة أن الكرة تجاوزت خط المرمى قبل العرضية (وأثبتت الإعادة التلفزيونية خطأ القرار بنصف متر كامل)، لتتأهل كوريا بركلات الترجيح وسط اتهامات بوجود رغبة سياسية وتجارية لإبقاء أصحاب الأرض في البطولة.
بعيداً عن الجدل التحكيمي، شهدت هذه البطولة رقماً قياسياً تاريخياً في مباراة تحديد المركز الثالث بين تركيا وكوريا الجنوبية.
فبعد إطلاق صفارة البداية مباشرة، ضغط المهاجم التركي هاكان شوكور على المدافع الكوري واستخلص الكرة منه، ليسددها داخل الشباك معلناً عن هدف لتركيا بعد مرور 11 ثانية فقط من انطلاق المباراة.
ليصبح ذلك الهدف أسرع هدف في تاريخ كأس العالم منذ انطلاقته، ويدوّن اللاعب التركي (الذي صار سياسياً وبرلمانياً فيما بعد) اسمه بحروف من ذهب في سجلات المونديال.
(19)
نطحة زيدان.. الوداع الذي أبكى فرنسا
كان من المفترض أن يكون نهائي كأس العالم 2006 في برلين هو المشهد الختامي المثالي والملحمي لمسيرة النجم الفرنسي زين الدين زيدان، الذي أعلن اعتزاله كرة القدم نهائياً بعد المونديال.
قدم زيدان بطولة خارقة وقاد «الديوك» للنهائي بعد إقصاء البرازيل وإسبانيا والبرتغال بعروض ساحرة.
وفي النهائي ضد إيطاليا، جلب زيدان التقدم لفرنسا بهدف من ركلة جزاء نفذها ببرود أعصاب على طريقة «بانينكا».
جاء التعادل الإيطالي واستمرت المباراة بنتيجة (1-1) لتمتد إلى الأشواط الإضافية.
وفي الشوط الإضافي الثاني (الدقيقة 110)، وبينما كان الفريقان يستعدان لركلات الترجيح، التقطت كاميرات التلفزيون مشهداً صادماً ومفاجئاً لفت أنظار العالم: كان زيدان يسير إلى جانب المدافع الإيطالي ماركو ماتيراتزي، وفجأة توقف زيدان، واستدار ببطء نحو المدافع، ثم وجه «نطحة» قوية وعنيفة برأسه مباشرةً إلى صدر ماتيراتزي، ليسقط الأخير أرضاً كأنه أصيب برصاصة.
ركض لاعبو إيطاليا يحتجون، وأشار الحكم المساعد للقطة، ليخرج الحكم الأرجنتيني هوراسيو إليزوندو البطاقة الحمراء مباشرة في وجه زيدان.
خرج زيزو مطأطأ الرأس، والتقطت الكاميرات الصورة التاريخية الشهيرة له وهو يمر بجانب الكأس الذهبية وعيناه مطرقتان نحو الأرض، متوجهاً لغرف الملابس في وداع تراجيدي حزين.
خسرت فرنسا النهائي بركلات الترجيح، وتبين لاحقاً أن ماتيراتزي وجه شتائم نابية ومستفزة لزيدان تمس شرفه وشقيقته، مما أفقد الأسطورة صاحب الأصول الجزائرية هدوءه العصبي المعتاد.
نال زيدان تعاطفاً شعبياً كبيراً في فرنسا ودول العالم رغم الخطأ، وظلت تلك النطحة أشهر طرد في التاريخ الكروي.
** **
- أحمد الأسمري













0 تعليق