محمد البهيدل
لم تكن نقطة التعادل الإيجابي التي انتزعها منتخبنا الوطني الأول من فم الأسد الأوروجوياني في إطلالته المونديالية الأولى (1-1) مجرد رقم يضاف إلى رصيدنا النقطي في دور المجموعات، بل كانت وثيقة إعلان وتأكيد على الهوية الكروية الحقيقية التي بات يمتلكها «الأخضر». في تلك المواجهة، تجلت كل معاني الانضباط التكتيكي الصارم، وظهرت الروح القتالية العالية لرجالنا الذين لم تهزهم هيبة المنافس التاريخية، بل قدموا ملحمة كروية متكاملة الأركان، أثبتوا من خلالها للعالم أجمع أن الطموح السعودي في هذه النسخة العالمية يتجاوز بكثير مجرد حدود «المشاركة المشرفة» أو الحضور الشرفي، بل هو سعي جاد ومدروس لانتزاع بطاقة العبور نحو الأدوار الإقصائية وكتابة تاريخ جديد يليق بمكانة الرياضة السعودية الحالية.
بيد أن قطار المونديال السريع لا يمنح أحداً وقتًا للاحتفال أو الوقوف طويلًا عند محطات المنجزات الأولية.
فنحن اليوم على أعتاب منعطف تاريخي حاسم، ومواجهة من العيار الثقيل جداً مساء الأحد القادم أمام من يصفه خبراء اللعبة بـ «وحش العالم»؛ المنتخب الإسباني، بطل النسخة الماضية وحامل اللقب.
هذه المواجهة المرتقبة تأتي في سياق تكتيكي ونفسي معقد للغاية؛ فالإسبان لن يدخلوا عشب الملعب بنوايا اعتيادية، بل سيدخلون مثقلين بجرح غائر ورغبة جامحة، بل مستعرة، للتعويض ورد الاعتبار، بعد سقوطهم المدوي وغير المتوقع في فخ التعادل أمام منتخب الرأس الأخضر؛ ذلك المنتخب المتواضع «فنيًا» وتاريخيًا مقارنة بالترسانة الإسبانية.
هذا السقوط المفاجئ للماتادور يجعل منه تنينًا جريحًا، أشد شراسة وأكثر اندفاعاً لاستعادة كبريائه المهدور، مما يضع منتخبنا أمام اختبار حقيقي يتطلب أعلى درجات التركيز الذهني والصلابة الدفاعية، لأننا سنواجه خصماً يبحث عن قشة ينقذ بها كبرياءه الكروي من الغرق المبكر.
ولكن، وإذا ما نظرنا إلى النصف المليء من الكأس، فإن كرة القدم الحديثة أثبتت في أكثر من مناسبة أن الأسماء الرنانة والتاريخ المكتوب على الورق لم يعد وحده كافيًا لحسم الرهان داخل المستطيل الأخضر.
منتخبنا الوطني يملك اليوم فرصة تاريخية لا تتكرر كثيراً للعبور وتجاوز دور المجموعات، بل حتى انتزاع النقاط من بوابة بطل العالم نفسه.الشواهد في هذا المونديال تؤكد أن الفوارق الفنية تذوب تمامًا أمام الإرادة الحديدية، والتنظيم التكتيكي العالي، والجرأة في المبادرة.
إذا دخل الأخضر اللقاء بذات الإيمان والجسارة التي ظهر بها في الشوط الأول أمام أوروجواي، وتخلص من عقدة الخوف من الأسماء الكبيرة، فإن شمس التأهل قد تشرق من نافذة هذه المباراة بالذات، لتؤكد أن الكرة السعودية باتت رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في المحافل الدولية.
ومع هذا التفاؤل والتحليل الفني لواقع المواجهة، فإن الأمانة الصحفية والمسؤولية الوطنية تقتضي منا أن نلتفت بكل شجاعة إلى الداخل، وأن نسلط الضوء على السند الحقيقي والعمق الإستراتيجي الذي يجب أن يقف خلف هذا المنتخب في مهمته العالمية: ونقصد هنا «المدرج والإعلام».إن من المؤسف حقاً، ومن المحزن الذي يدمي قلب كل غيور على رياضة هذا الوطن، أن نرى «بعض» الإعلاميين ومحسوبي الجماهير ما زالوا يصرون، وبشكل غريب ومستهجن، على ممارسة «الفرز اللوني» البغيض، حتى والمنتخب يرتدي شعار الوطن الغالي في أكبر محفل كروي على وجه الأرض.
أن يُقاس عطاء لاعب داخل الملعب، أو يُنتقد أداء آخر، أو تُوزع صكوك الوطنية والنجومية بناءً على الميول «الناديّة» الضيقة والتعصب الأعمى، فهذا لعمري يمثل ذروة المراهقة الفكرية والسقوط المدوي في مستنقع الاحتقان الرياضي الذي لا يخدم مسيرة وطن تسلط عليه ملايين العيون والشاشات حول العالم.
المنتخب الوطني السعودي يا هؤلاء، ليس مسرحاً لتصفية الحسابات الشخصية بين الأندية، ولا منصة هابطة لتسجيل النقاط الجماهيرية وتصفية الصراعات المحلية الضيقة في برامج «التوك شو» أو منصات التواصل الاجتماعي. في المونديال، يجب أن تذوب كل الألوان، ويسقط «التعصب» المقيت في غياهب النسيان، ولا يبقى في المشهد الصاخب سوى لون واحد، وراية واحدة، وشعار واحد: «الأخضر السعودي».
الجرأة اليوم في طرحنا تقتضي منا أن نضع هؤلاء المتعصبين أمام مرآة الحقيقة العارية؛ فالذين يتعاملون مع القميص الوطني بعقلية المدرج المحلي الضيق يمارسون خذلاناً صريحاً، بل خيانة غير معلنة لمهمة وطنية كبرى يقودها شباب يضحون بالغالي والنفيس لرفع اسم المملكة عالياً.يحتاج لاعبو المنتخب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى الدعم المطلق، وإلى تكاتف وطني إعلامي وجماهيري واعٍ ومسؤول، يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق هؤلاء الأبطال، ويمنحهم الثقة الكاملة والهدوء النفسي للوقوف بثبات وصمود أمام الترسانة الإسبانية.
يوم الأحد القادم، لسنا أمام مباراة تسعين دقيقة عابرة، بل نحن أمام منعطف تاريخي وصياغة مجد كروي جديد يطرق فيه الأخضر أبواب العالمية بكل قوة.
فلنكن جميعاً، إعلاماً وجماهير، على قدر هذا الحدث العظيم، ولتخرس أصوات التعصب والتفرقة، وليصمت كل من لا يرى في القميص الأخضر تمثيلاً له، ليرتفع في المدى صوت واحد هادر ومزلزل: «كلنا مع الأخضر..
من أجل الوطن ولا شيء سوى الوطن».












0 تعليق