وبدأ العام 1448 - د. محمد بن إبراهيم الملحم

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

د. محمد بن إبراهيم الملحم

نستقبل عاماً هجرياً جديداً، بينما تستعد المدارس لإسدال الستار على عام دراسي آخر، وفي العادة نتبادل التهاني والدعوات بأن يكون العام القادم أفضل من سابقه، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: ما الذي سنفعله فعلاً ليكون أفضل؟ فالزمن وحده لا يغيِّر شيئاً. وتعاقب الأعوام لا يصنع تقدماً ما لم يصاحبه تغيير في السلوك والعادات والقرارات. ولعل هذه الحقيقة هي ما يجعل الهجرة النبوية حدثاً مختلفاً في التاريخ الإسلامي؛ فلم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت انتقالاً من واقع إلى واقع، ومن مرحلة إلى مرحلة، ومن أسلوب حياة إلى أسلوب آخر أكثر قدرة على البناء والإنجاز، فهل سنكون نحن كذلك؟

ويتزامن دخول العام الهجري الجديد مع نهاية عام دراسي كامل، وهي مناسبة مناسبة للمراجعة والتقويم، فالأسرة تسأل أبناءها عن نتائجهم، والمدرسة تراجع أداءها، والجهات التعليمية تقوِّم برامجها وقراراتها، غير أن هناك سؤالاً آخر أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: ماذا فعلت الشاشات بأطفالنا خلال هذا العام؟ وقبل أيام تصدر خبر قرار الحكومة البريطانية منع من هم دون السادسة عشرة من استخدام منصات التواصل الاجتماعي عناوين الأخبار في أنحاء العالم، ولقد طار به كثيرون لدينا عبر منصات التواصل وتساءلوا: متى يكون مثله لدينا؟ وفهموا القرار بأنه منع كامل للأطفال من مشاهدة هذه المنصات أو الوصول إلى محتواها، بينما المقصود في جوهره هو منع امتلاكهم الحسابات الشخصية واستخدام المنصات الاجتماعية بوصفهم مستخدمين مستقلين يتفاعلون وينشرون ويتلقون المحتوى والخوارزميات المصممة لجذب الانتباه وإطالة زمن الاستخدام، ويأتي القرار ضمن توجه أوسع تشهده عدة دول لإعادة النظر في العلاقة بين الأطفال والعالم الرقمي، وليس مهماً هنا أن نتفق أو نختلف مع تفاصيل القرار البريطاني، فحتى داخل الغرب نفسه يوجد نقاش واسع حول جدواه وآليات تطبيقه، لكن المهم هو الرسالة التي تقف خلفه وهو أن هناك شعوراً متزايداً بالمسؤولية الأخلاقية نحو الأطفال والمراهقين، واعتراف بأن تركهم وحدهم أمام خوارزميات مصممة لاحتجاز الانتباه لساعات طويلة لم يعد أمراً محتملاً لمضاره الملموسة على صحتهم النفسية والجسدية.

المفارقة أن كثيراً من الآباء الذين يبدون قلقاً حقيقياً على أبنائهم من الإفراط في استخدام الأجهزة، وربما أيضاً الذين تنادوا في منصات السوشال ميديا لدينا وعبر العالم العربي كله بعبارة «متى يكون مثل هذا القرار لدينا؟» يقضي أغلبهم ساعات طويلة يومياً بين الهاتف ومنصات التواصل! بينما الطفل (الصغير واليافع) لا يتعلَّم من الأوامر فقط، بل يتعلَّم بالدرجة الأولى من النماذج التي يراها أمامه، فإذا كان الأب أو الأم لا يستطيعان تمضية نصف ساعة دون مشاهدة الشاشة، فمن الصعب إقناع الابن بأن القراءة أو الحوار العائلي أو ممارسة الهوايات أكثر أهمية! ولهذا كله فإن بداية العام الهجري الجديد، كما ذكرت في المقدمة، قد تكون فرصة لمراجعة من نوع مختلف، فبدلاً من الاقتصار على الخطط المالية أو المهنية أو الدراسية، يمكن أن نسأل أنفسنا: كم ساعة نقضيها يومياً أمام الشاشات؟ وكم ساعة نقضيها مع أبنائنا؟ كم كتاباً قرأناه هذا العام؟ وكم جلسة حوار عائلي حقيقية أقمناها بعيداً عن الإشعارات والتنبيهات؟

وفي الوقت نفسه تمثل الإجازة الصيفية القادمة فرصة ثمينة لتعويض ما فقده كثير من الأطفال من تجارب الحياة الواقعية. فالطفل يحتاج إلى اللعب الحر، والرياضة، والقراءة، والزيارات الاجتماعية، والتطوع، واكتشاف الهوايات. وهذه الخبرات لا تبني مهاراته فحسب، بل تبني شخصيته أيضاً. أما العالم الرقمي، مهما كانت فوائده، فلا يستطيع أن يكون بديلاً كاملاً عن الحياة الحقيقية، إن نهاية العام الدراسي وبداية العام الهجري الجديد تلتقيان في معنى واحد هو المراجعة قبل الانطلاق، فكما تراجع المدارس نتائجها، وكما تراجع المؤسسات خططها، فإن الأسرة أيضاً بحاجة إلى مراجعة علاقتها بالتقنية وبالوقت وبأبنائها، ومع إطلالة عام هجري جديد، قد يكون أفضل قرار نتخذه لأنفسنا ولأبنائنا هو أن نستعيد شيئاً من وقتنا الذي سرقته الشاشات، وأن نعيد توجيهه إلى ما يبني الإنسان علماً وخلقاً وصحةً وعلاقةً بأسرته ومجتمعه. فالأعوام لا تتغير بتبدل أرقامها، وإنما تتغير حين نغيّر نحن ما بأنفسنا. كل عام وأنتم بخير، وعاماً هجرياً مباركاً يحمل للوطن وأبنائه مزيداً من التقدم والنجاح والازدهار.

** **

- مدير عام تعليم سابقا

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق