مشاريع الرؤية.. فرصة لبناء صناعة تأمين وطنية - رسيني الرسيني

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

رسيني الرسيني

منذ إطلاق رؤية المملكة 2030، شهدت السعودية طفرة غير مسبوقة في حجم المشاريع العملاقة والاستثمارات النوعية، بدءًا من المدن الذكية والمشاريع السياحية الكبرى وصولاً إلى البنية التحتية والصناعات المتقدمة. وبطبيعة الحال، ارتبطت هذه المشاريع باحتياجات تأمينية وإعادة تأمين ضخمة تُقدر بمليارات الريالات. إلا أن السؤال الذي يستحق الطرح هو: إلى أي مدى استفاد قطاع التأمين السعودي من هذه الفرص الاستثنائية؟ وهل تحولت هذه المشاريع إلى محرك حقيقي لبناء صناعة تأمين وطنية متقدمة، أم أنها بقيت مصدرًا للأعمال التي تُدار أجزاء كبيرة منها خارج المملكة؟

لا شك أن جزءًا من الفائدة الاقتصادية يتحقق من خلال الضرائب والرسوم والأنشطة التشغيلية للشركات الأجنبية المرخصة محليًا، إلا أن القيمة المضافة الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الأقساط المكتتبة أو الإيرادات المحققة، بل بمدى بناء المعرفة والخبرات والقدرات الوطنية. فعندما تُدار أعمال الوساطة أو إعادة التأمين أو التقييم الفني من خارج المملكة، فإن جزءا مهما من الخبرة المتراكمة والمهارات المتخصصة تكون فرصة ضائعة للاستفادة المحلية. ومن هنا تبرز أهمية القرارات التنظيمية الأخيرة التي منحت معيدي التأمين المحليين حق الأولوية بنسبة 30 % من إعادة التأمين قبل عرضها خارجيًا، وهي خطوة إيجابية تتجاوز بعدها التجاري المباشر إلى بعد إستراتيجي أكثر أهمية يتمثل في بناء قدرات اكتتابية وفنية محلية قادرة على المنافسة.

كما أن المبادرات المعلنة ضمن الإستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين نحو تطوير منظومة متكاملة لإدارة المخاطر ورفع مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني تمثل فرصة مهمة لتعزيز المحتوى المحلي التأميني، وهو أمر مهم لبناء وإشراك الكيانات السعودية في مختلف حلقات سلسلة العمليات التأمينية من الاكتواريين، ومقدري ومعايني الخسائر، ووسطاء التأمين وإعادة التأمين، وشركات تسوية المطالبات، والمستشارين الفنيين والقانونيين، وصولاً إلى التقنيات المتخصصة الداعمة للقطاع، بحيث يكون بناء هذه المنظومة المتكاملة ليس هدفا اقتصاديا فحسب، بل مشروع وطني لإعداد كيانات وكوادر سعودية تمتلك خبرات عالمية في إدارة أكبر المشاريع في العالم.

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في جذب الأعمال التأمينية إلى المملكة، فقد تحقق ذلك بالفعل، وإنما في ضمان الاستفادة القصوى من المعرفة والخبرة والقيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، حيث إن استمرار الاعتماد الكامل على الخبرات الأجنبية بحجة عدم توفر الكفاءات المحلية يخلق حلقة مفرغة، فالكفاءات الوطنية لن تكتسب الخبرة المطلوبة ما لم تُمنح فرصة المشاركة الفعلية في الأعمال المتخصصة. ومن هنا تبرز أهمية اشتراط إشراك كوادر سعودية في المشاريع الكبرى، سواء كخبراء أو كمتدربين ضمن فرق العمل الفنية، لضمان انتقال المعرفة والخبرة إلى السوق المحلية.

حسنًا، ثم ماذا؟

مشاريع الرؤية النوعية تمنح العاملين فيها خبرة قد لا تتوافر في أسواق عديدة أكثر نضجًا، وعليه تكمن ضرورة أن تصبح جميع مراحل العملية التأمينية حاضنة للكفاءات والكيانات السعودية بهدف تحويل المملكة من مستورد للمعرفة التأمينية إلى مركز عالمي لصناعتها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق