انحياز المؤرخ حتمي - م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي

1 - التاريخ بحر واسع وعميق لا يمكن شموله كله في دراسة واحدة أو من مؤرخ واحد، من هنا فإن كل دراسة تاريخية وكل مؤرخ يختص بجزئية محددة لبقعة جغرافية محددة أو لأشخاص محددين أو أحداث محددة في فترة زمنية محددة.. وهو يهتم بهذه الجزئية لأنها وقعت ضمن اهتمامه البحثي نتيجة تكليف أو اهتمام شخصي.. ومهما حاول المؤرخ أن يكتب التاريخ كما وقع فعلًا إلا أن ذلك يستحيل لأسباب ذاتية تخص المؤرخ نفسه وأسباب موضوعية تخص المصادر التي أخذ منها مادته.

2 - المؤرخ حتماً يقع تحت تأثير الأفكار المحيطة والخيالات الشعبية والمواقف الآيديولوجية، فالرواية التي ترد عن راوية من مذهب مختلف يستبعدها المؤرخ الآخر مهما كانت محتملة الوقوع لا لشيء سوى لأنه مختلف عنه في مذهبه.. أيضاً حينما يستعرض المؤرخ الأحداث والفرضيات أمامه أو يستشف ويستنبط منها تسلسل الأحداث فهو غالباً -إن لم يكن دائماً- لا يضع إلا الروايات التي تتفق مع رأيه وميوله، وهنا مهما كانت قدرة المؤرخ على المقاربة والاستنباط والاستقراء كبيرة إلا أنها تظل متحيزة وبالتالي قاصرة لأنها مختلة التوازن.

3 - مادة التاريخ مادة إنسانية في المقام الأول، والتاريخ بذاته هو علم إنساني ولا يوجد علم إنساني مكتمل، ويتم ملء تلك الفراغات ومحاولة تعديل الميل في ذلك العلم بالافتراضات والانتقاء والإحلال والتأويل والاستنتاج.. وتكمن المشكلة في أن كثيراً من هذه الاستنتاجات التي تُمْلأ بها الفراغات في دراسة التاريخ قائمة على جزء بسيط وصغير مما نظنه حقيقة، ناهيك عن أنها بُنَيت على التأويل الصادر عن افتراضات منتقاة فرضتها طبيعتنا والمحيط الذي تربينا فيه.. وبالتالي فإن إعادة تركيب الرواية التاريخية تنتظر إما ظهور مصادر أخرى موثوقة أو تطور منهجيات جديدة لبحث التاريخ.

4 - شهد تناول مادة التاريخ وتطبيق منهج البحث العلمي عليه ثلاث حالات، كما تقول الباحثة التونسية (حياة عمامو).. فالمؤرخون المسلمون جمعوا ما في المصادر الإسلامية دون بحث أو نقد على أساس أنها مادة غير قابلة للجدال ولا يجوز التشكيك فيها.. لكنهم حتى يرفعوا من منطقيتها أخذوا في محاولة إعادة تركيبها من خلال الوصف والتأويل.. ثم أتت الحالة الثانية مع بروز منهج البحث العلمي للتاريخ في القرن التاسع عشر حيث بدأ دارسو التاريخ الإسلامي بتطبيق المنهج النقدي.. والذين بادروا في ذلك هم الباحثون الغربيون وتبعهم المؤرخون العرب من شمال أفريقيا وخصوصاً التوانسة.. ثم تلتها الحالة الثالثة حينما نتج عن البحث النقدي للتاريخ الإسلامي مدرسة تشكيكية صِرْفة نسفت كل قواعد التاريخ السابق على أساس أنه لم يكن تاريخاً مدوناً بل تاريخاً شفهياً.

5 - من المتفق عليه أن المؤرخ ليس هو الذي يجمع مادة التاريخ ويحصرها، وليس هو الذي يصنفها ويبوبها، بل هو الذي يستقرئها ويفسرها ويستخرج منها مادتها ويستنطق نتائجها، وهذا لا يتم إلا بالتأويل وهنا تقع المشكلة.. ففي التأويل تطغى الذاتية، وكل مؤرخ يَصْدُر عن معارفه وخلفيته الثقافية وأهوائه والمعتقدات التي نشأ عليها.. المشكلة الأخرى هي أن استقراء مادة التاريخ لا يقوم فقط على عمق الفهم وسعة التفهم والمدارك لدى المؤرخ، بل يجب أن تصحبه القدرة على الاستنباط والاستنتاج، وهذه مهارة ليس كل أحد يجيدها.

6 - يقول (كارل ماركس): في الصراعات التاريخية ينبغي التمييز بين مقولات وخيالات الأطراف المشاركة في هذه الصراعات، وبين تكوينهم الحقيقي ومصالحهم الحقيقية.. أي بين تصورهم لأنفسهم وبين حقيقتهم.

أخبار ذات صلة

0 تعليق