(20)
المينيريزو.. السقوط البرازيلي الأكبر
عادت كأس العالم إلى البرازيل عام 2014، وأعتقد الشعب البرازيلي أن الفرصة قد حانت أخيراً لغسل عار «الماراكانازو» القديم عام 1950 والتتويج باللقب على أرضهم.
وصل المنتخب البرازيلي إلى نصف النهائي لمواجهة الماكينات الألمانية على ملعب «مينيرو» في مدينة بيلو هوريزونتي، لكن المباراة تحولت إلى كارثة كروية وطنية أكبر عُرفت تاريخياً باسم «المينيريزو».
دخلت البرازيل المباراة مفتقدة لنجمها الأول نيمار بسبب إصابة خطيرة في الظهر، وقائد دفاعها تياغو سيلفا بسبب الإيقاف.
ومع إطلاق صافرة البداية، حدث انهيار نفسي وتكتيكي مرعب وغير مفهوم للاعبي السامبا.
بدأت ألمانيا تسجل الأهداف بسهولة كأنها في حصة تدريبية، ففي غضون الـ 29 دقيقة الأولى من الشوط الأول، كانت النتيجة تشير إلى تقدم ألمانيا بخماسية نظيفة، وسط ذهول وصرخات وبكاء هستيري من الجماهير في المدرجات الذين لم يصدقوا ما تراه عيونهم.
انتهت المباراة بنتيجة كارثية وتاريخية هي 7-1 لصالح ألمانيا، وهي أثقل هزيمة في تاريخ البرازيل المونديالي وأكبر خسارة لصاحب أرض في التاريخ. وفي قلب هذا الحطام البرازيلي، نجح المهاجم الألماني القناص ميروسلاف كلوزه في تسجيل الهدف الثاني لبلاده، ليرفع رصيده الشخصي إلى 16 هدفاً في تاريخ كأس العالم.
المفارقة الساخرة والصادمة أن كلوزه انتزع لقب «الهداف التاريخي للمونديال» من قلب البرازيل ومن أمام أعين الأسطورة البرازيلية رونالدو (صاحب الـ 15 هدفاً) الذي كان يجلس في منصة التعليق التلفزيوني يشاهد ضياع لقبه الشخصي وانهيار منتخب بلاده في ليلة بكت فيها البرازيل مجدداً بدموع غزيرة.
(21)
قطر 2022.. معركة الهوية ووثبة المغرب
شهد مونديال قطر 2022 مواجهة تعدت حدود المستطيل الأخضر، إذ تحول إلى معركة شرسة لإثبات الهوية وإسقاط الصور النمطية.
فمنذ لحظة فوز الدوحة بحق الاستضافة، واجهت حملة إعلامية وسياسية غربية شعواء، ركزت بضراوة على ملفات حقوق الإنسان والعمال، بالإضافة إلى سيل من اتهامات شراء الأصوات والتصويت.
غير أن وجهة النظر القطرية والعربية - التي أثبتها الواقع لاحقاً - كشفت عن ازدواجية معايير واضحة ونبرة استعلائية من بعض وسائل الإعلام الغربية التي لم تتقبل فكرة تنظيم دولة عربية إسلامية لحدث بهذا الحجم.
ردّت قطر على كل هذا التشكيك عملياً، فتحولت تلك النسخة إلى واحدة من النسخ الأكثر أماناً وتنظيماً، حيث تلاشت الشائعات بمجرد أن لمس المشجعون الغربيون كرم الضيافة العربية، مما أسهم في تبيان الحقيقة وتغيير انطباعات الملايين حول العالم.
وفي قلب هذه الأجواء الاستثنائية، كتب منتخب المغرب «أسود الأطلس» ملحمة وطنية خلّدت اسمه في سجلات التاريخ، وأعادت صياغة طموحات الكرة العربية والأفريقية.
تحت قيادة المدرب الوطني وليد الركراكي، فجّر المغاربة زلزالاً كروياً هز أركان اللعبة، فتصدروا مجموعة نارية ضمت كرواتيا وبلجيكا وكندا، ثم بدأت رحلة الإطاحة بالعمالقة، حيث أقصوا إسبانيا بركلات الترجيح بفضل بسالة الحارس ياسين بونو، قبل أن ينهوا أحلام برتغال كريستيانو رونالدو بهدف يوسف النصيري الطائر.
أصبح المغرب أول منتخب عربي وأفريقي يصل إلى المربع الذهبي في تاريخ كأس العالم محتلاً المركز الرابع عالمياً، ليثبت للعالم أن الكرة العربية قادرة على مقارعة الكبار دون عقدة نقص.
هذا الإنجاز الملهم رفع سقف الشغف والطموح لاستقبال النسخة الجديدة، كأس العالم 2026، التي تستضيفها ثلاث دول بشكل مشترك لأول مرة: أمريكا، كندا، والمكسيك.
ولن تكون هذه البطولة عادية، بل تشهد ثورة حقيقية في نظام الفيفا عبر زيادة عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منتخباً لأول مرة، مما منح قارتي أفريقيا وآسيا مقاعد إضافية، وبصورة تفتح الأبواب على مصراعيها لمشاركات وقصص عربية وعالمية جديدة يترقبها عشاق الساحرة المستديرة بشغف كبير.
(22)
السعوديون في كأس العالم: عرضة خالدة فوق عشب المونديال
في يوم الجمعة 17 يونيو 1994، وداخل ملعب «سولجر فيلد» العريق في مدينة شيكاغو الأمريكية، لم يكن افتتاح كأس العالم مجرد حدث رياضي اعتيادي، بل كان كرنفالاً إنسانياً وثقافياً تلاقت فيه شعوب الأرض.
وتزامناً مع المرة الأولى التي ترفرف فيها الراية السعودية في هذا المحفل العالمي، شهد حفل الافتتاح لقطةً بارعة، إذ شاركت فرقة سعودية بأداء رقصة شعبية وبالسيوف العربية، عبرّت من خلالها عن أصالة الهوية التراثية للمملكة وسط استعراضات مثلّت ثقافات الدول المشاركة.
والمثير للاهتمام أن تلك الرقصة قد أُديت على أنغام موسيقى اختيرت بعناية من ألحان الموسيقار الراحل سراج عمر، وهي جزء من لوحة المنطقة الجنوبية في «أوبريت التوحيد» الذي كتب كلماته الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز، وقُدم في مهرجان الجنادرية التاسع.
هكذا، وقبل أن تتدحرج الكرة على العشب، كانت الثقافة السعودية تعلن حضورها الباهي أمام مئات الملايين خلف الشاشات.
ثمار عمل طويل
هذا الحضور المونديالي الباذخ لم يكن وليد الصدفة أو ضربة حظ عابرة، بل كان تتويجاً شرعياً لمسيرة طويلة ومضنية من المحاولات والطموحات التي بدأت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، خاض الأخضر خلالها غمار تصفيات آسيوية معقدة وشديدة الشراسة في نسخ 1978، 1982، 1986، و1990.كان الحلم يصطدم في كل مرة بقلة الخبرة الدولية أو بقوة المنافسين، على الرغم من بروز جيل سعودي موهوب بدأ يفرض سطوته وفنه على القارة الصفراء.
ومع مطلع التسعينيات، بدأت ملامح المشروع الكروي السعودي الحديث تتشكل بصورة أكثر احترافية وتنظيماً، مدعوماً باهتمام رسمي كبير اعتنى بالبنية التحتية وتطوير المنتخبات والمسابقات المحلية.
في خريف عام 1993، ومن العاصمة القطرية الدوحة، نجح المنتخب السعودي في انتزاع بطاقة التأهل التاريخية إلى الولايات المتحدة بعد تصفيات ماراثونية طاحنة تفوق فيها على منتخبات كوريا الجنوبية (الذي رافق المنتخب السعودي إلى أمريكا)، اليابان، العراق، إيران، وكوريا الشمالية، ليصبح الأخضر رابع منتخب عربي آسيوي يبلغ المحفل العالمي بعد الكويت 1982، العراق 1986، والإمارات 1990.
أولويات تاريخية
دقت ساعة الحقيقة فجر يوم الثلاثاء 21 يونيو 1994، وحبس الملايين في المملكة أنفاسهم لترقب المواجهة الأولى في تاريخهم المونديالي أمام منتخب هولندا العتيد على ملعب «روبرت كينيدي» في العاصمة واشنطن.
في تلك المباراة التاريخية طارت معالم الرهبة سريعاً، فقد سجّل النجم فؤاد أنور أول هدف سعودي في تاريخ كأس العالم برأسية متقنة، فيما دوّن الظهير الأيمن عبد الله صالح اسمه كصاحب أول بطاقة صفراء سعودية بالمونديال، في مباراة انتهت بخسارة مشرفة بهدفين مقابل هدف (أما أول بطاقة حمراء في تاريخ مشاركات الأخضر فقد تأخرت حتى مونديال فرنسا 1998 وكانت من نصيب المدافع الراحل محمد الخليوي أمام فرنسا، وهي الوحيدة حتى الآن).
لم تقف الطموحات السعودية عند مجرد المشاركة، فبعد فوز مثير وثمين على المغرب 2-1 بهدفي سامي الجابر وفؤاد أنور، في أول مواجهة مونديالية عربية - عربية، كان العالم على موعد مع لقطة سينمائية خالدة في الجولة الثالثة والأخيرة من دور المجموعات أمام بلجيكا.
هناك، كتب سعيد العويران اسمه بحروف من ذهب في تاريخ اللعبة، عندما انطلق بالكرة من منتصف ملعبه مخترقاً الحصون البلجيكية ومتجاوزاً المدافعين تلو الآخر في سباق إعجازي مذهل، قبل أن يودع الكرة في الشباك مسجلاً هدفاً أسطورياً صُنّف كأحد أجمل أهداف كأس العالم عبر التاريخ. هذا الهدف التاريخي قاد السعودية لتأهل إعجازي إلى دور الـ16 في أول مشاركة لها، في إنجاز بقي محفوراً كأحد أبرز اللحظات الملهمة في تاريخ كرة القدم العربية.
توالت بعدها المشاركات السعودية في المسرح العالمي بأعوام 1998، 2002، 2006، 2018، و2022، وعرفت الجماهير خلال هذه الرحلة الطويلة تقلبات كرة القدم بسحرها وقسوتها، ولعل اللحظة الأكثر مرارة كانت الخسارة القاسية أمام ألمانيا بنتيجة 8-0 في مونديال 2002.
لكن كبرياء الصقور ظلّ يرفض الانكسار، إذ كان الأخضر يعود دائماً أكثر صلابة وقوة، مسجلاً انتصارات مهمة وحضوراً لافتاً رسّخ مكانة المملكة كقوة كروية لا يستهان بها.
ملحمة «لوسيل»
وفي مونديال قطر 2022، عاش العالم واحدةً من أكبر المفاجآت في تاريخ كرة القدم الحديثة.
فعلى أرضية ملعب «لوسيل»، نجح المنتخب السعودي في إسقاط منتخب الأرجنتين المدجج بالنجوم والمسنود بالترشيحات بقيادة ليونيل ميسي، بعد ريمونتادا تاريخية حملت توقيع صالح الشهري وسالم الدوسري بهدف عالمي لا يُنسى.
ولم تكن تلك الأرجنتين منتخباً عادياً، بل إنها البطل الذي واصل طريقه ليرفع الكأس في النهاية، ليظل الأخضر هو المنتخب الوحيد في العالم الذي هزم أبطال العالم في تلك النسخة التاريخية.
مسيرة اهتمام
هذا التطور الرياضي الهائل على مر العقود لم يكن نتاج الصدفة، بل صاغته رؤية ممتدة ورعاية قيادية ملهمة عبر الأجيال، تحولت معها المملكة من منافس طموح إلى عاصمة لصناعة المشهد الرياضي.
ولعل الملاحم العالمية قد بدأت سعودياً منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين أبهرت المملكة العالم باستضافة كأس العالم للشباب في فبراير - مارس 1989، وأحرزت بعد أشهر عبر منتخبها للناشئين كأس العالم تحت 16 سنة في إسكتلندا.
قبل أن تطلق عبر صانع النقلة الرياضية السعودية الأمير فيصل بن فهد بن عبد العزيز، فكرة عبقرية غيّرت خريطة الكرة العالمية، وتمثّلت في تنظيم بطولة القارات على كأس الملك فهد عام 1992، تلك البطولة الساحرة التي ولدت في الرياض وسرعان ما تبناها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لتصبح ثاني أكبر بطولة تحت مظلته بعد كأس العالم.
وفي نسخة بطولة القارات الأولى، لم يكتف السعوديون بحسن التنظيم، بل انتزعوا مركز الوصافة ونالوا الميدالية الفضية، ليسجل منتخبهم نفسه كأول منتخب عربي وآسيوي يحقق مركز الوصافة وينال ميداليات ملونة في بطولات منتخبات الصف الأول العالمية، وهو إنجاز تاريخي فريد لم يتكرر قومياً، وصمد قارياً تسع سنوات قبل أن تلحق به اليابان في بطولة القارات أيضاً عام 2001.
ولم يكن الدعم القيادي محصوراً في تشييد المنشآت وإقامة المحافل ودعم ملفات الاستضافة، بل كان متجذراً في صناعة الروح وتحفيز الهمم.
فقد كانت الاستقبالات الأبوية التحفيزية للاعبين من قِبل الملك فهد بن عبد العزيز، ترسي ثوابت وطنية عريقة، حيث كان يوصيهم دائماً بضرورة التمسك بالعقيدة الإسلامية والاعتزاز بالثقافة العربية السعودية الأصيلة والعمل الجاد المخلص، ليكونوا خير سفراء لبلادهم ديناً وخلقاً وأداءً.
وامتد هذا النهج الفريد في الرعاية ليبلغ قمةً جديدة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز.
وقد تجسدت هذه الفلسفة القيادية الحديثة في لقطة وضعت بصمتها على نفسية المواجهات الكبرى، وتجسدت في مشهد استقبال ولي العهد للاعبي المنتخب قبيل انطلاق مونديال قطر 2022، والذي نزع فيه عن كاهلهم أثقال التوقعات وحررهم من الضغوط حين وجه لهم كلمات دافئة ركزت على أمر محدد: «استمتعوا باللعب، وقدموا صورة مشرفة تليق بكم، والعبوا دون أي ضغوط».
هذه الرؤية العميقة التي منحت اللاعبين حرية الإبداع، كانت الوقود السحري الذي فجّر طاقاتهم ليصنعوا ملحمة لوسيل التاريخية.
وتُوج هذا المسار الاستراتيجي الملهم بإعلان الفيفا فوز المملكة العربية السعودية بحق استضافة كأس العالم 2034، وهي خطوة تاريخية تعكس الثقل الدولي للمملكة والثقة العالمية المطلقة بقدراتها التنظيمية، ليكون الأخضر على موعد مع كتابة الفصل الأكثر استثنائية وإبهاراً في تاريخ كرة القدم.. فوق أرضه وبين جماهيره.
** **
- أحمد الأسمري











0 تعليق