يتوقف العالم، كل أربع سنوات، مع موعد ثابت لكأس العالم، حيث تتحول الملاعب إلى مسارح عرض كبرى، واللاعبون إلى أبطال وطنيين، والجماهير إلى موجات بشرية من الشغف والجنون الكروي. ويقع خلف هذا المشهد المضيء، هندسة أعمق في أهميتها، وأدق في حضورها، بيد أنها لا تُرى بسهولة من قِبل الصحفيين والمحررين، يمكننا أن نطلق عليها مسمى «الهندسة الخفية»، هندسة تجعل هذا الحدث الكروي ممكناً بكل تفاصيله. ففي الوقت الذي يتحدث فيه المتابعين عن كأس العالم، فقد يتحدثون حوله بوصفه أضخم حدث كروي يشهده كوكب الأرض، أو بأنه قد يقلل من نسبة الاحتباس الحراري ولو لبرهه بسبب سكون معظم سكان الأرض وقت المباريات، كما أن أول ما قد يخطر في الذهن، هو الإنسان: اللاعب، المدرب، الحكم، الجمهور؛ بيد أن البطولة في جوهرها تقوم على أبعد من العنصر البشري من خلال شبكة ضخمة ودقيقة من العناصر المادية التي تصنع اللحظة، وتؤدي أدواراً لا تقل أهمية عن «الأقدام» التي تمرر الكرة، وتسجل الأهداف. كما أن هذه الأدوات، أو «الأشياء» ليست تفاصيل هامشية، بل تشكل البنية الحقيقية لصناعة ونجاح الحدث.
تبدأ هذه الهندسة الخفية، بالكرة، كرة القدم، العنصر الأكثر مركزية في اللعبة. والكرة، في هذا الحيز ليست مجرد أداة، بل نظام تقني متطور ومستمر التغير مع كل جيل من البطولة؛ فمن «الجلد الثقيل» في البدايات، إلى التصميمات الديناميكية الحديثة. وهكذا، كانت وما زالت الكرة تعكس تطور العلم والصناعة والسرعة في آن واحد، فهي نقطة البداية لكل حدث، وهي أيضاً نقطة النهاية لكل قصة هدف.
ثم يأتي الكأس، كأس العالم، الذي يتجاوز كونه جائزة إلى كونه رمزاً عالمياً للهيمنة الرياضية، كما هو حال الهيمنة اللغوية، أو الاقتصادية. كما أن «الكأس» يشكل محورا سرديا يدور حوله كل شيء، الفرح والحزن، والتهنئة، وأحيانا «الل...ن»، كما أن وجوده يخلق معنى المنافسة، ويحوّل البطولة من جدول مباريات، إلى رحلة نحو احتلال القمة العالمية كرويا.
وفي أطراف الملعب تقف الشباك، شباك المرمى، ذلك العنصر الساكن حتى لحظة الانفجار العاطفي في كل مباراة بعد أن تهزه الكرة. وشباك المرمى لا تسجل التاريخ، لكنها تُعلن عنه بصمت، فكل اهتزاز فيها، يعني الانتقال من حالة الصمت الجماهيري إلى موجة من الصراخ، ومن لحظات الانتظار إلى دوامة الاحتفال. ولا تقل «الصافرة» أهمية عمن سبق في هذا المشهد. فهذه الأداة الصغيرة الحجم والكبيرة الأثر، تمثل السلطة الزمنية لحكم المباراة. وهي الأداة التي تُنظم الفوضى، وتحوّل العاطفة من حال السرمدية إلى زمن محدد؛ فبنفخة واحدة تبدأ منها القصة، وبأخرى تنتهي معها، أما بدموع فرح أو ترح؛ كما أنها، وبالرغم من بساطتها، تحمل وظيفة تشريعية داخل الملعب، تجعل من كرة القدم نظاماً قابلاً للإدارة، وليس مجرد صراع دولي رياضي عشوائي.
ومع دخول العصر الحديث، أضيفت إلى هذه المنظومة عناصر جديدة أعادت تشكيل التجربة بالكامل. فالكاميرات التي أخرجت لنا كأس العالم من أرض الملعب إلى فضاء الشاشة، لم تعد مجرد أدوات توثيق، بل أصبحت عيونا للعدالة الكروية، تحفظ اللحظة وتعيد قراءتها.
كما أن تقنيات الإعادة والتحكيم المساعد «الفار»، تشكل هي الأخرى جزءاً من هوية المنافسة، وفي الوقت الذي قد تبدو فيه هذه الأدوات تفصيلات تقنية، إلا أنها تسهم بشكل مباشر في تشكيل التجربة، وتنظم اللعبة، وتحافظ على توازنها، وتزيد من وهجها وحماستها.
والحقيقة أن ما يميز هذه «الهندسة الخفية» هو أنها لا تُرى، لكنها التي تحدد إيقاع المنافسة، وتضبط انفعالاتها، وتضمن أن الفوضى التي تحملها كرة القدم تبقى فوضى منظمة. إنها النظام الذي يسمح للعاطفة أن تكون مشروعة، وللمفاجأة أن تبقى ممكنة، وللتاريخ أن يُكتب في لحظة وبالشكل المستحق. فكأس العالم ليست بطولة يصنعها اللاعبون، بل منظومة دقيقة تصنعها الأدوات أيضاً. فمن الكرة إلى الكأس، ومن الشباك إلى الكاميرا، تتداخل عناصر صامتة تنتج لنا أعظم الأحداث الإنسانية المعاصرة. لذا، فبطولة كأس العالم ليست محصورة في أفراد المنتخبات والمنظمين والجمهور، بل تشمل أيضا تلك الأدوات التي تصنع هذا التأثير لأهم حدث كروي كل أربع سنوات.
** **
- د. عبدالله جليد











0 تعليق