د. بندر خلف الحارثي
قد انطوت صفحة المشاركة في مونديال كأس العالم 2026 صبيحة هذا اليوم، ولكن لم تنطوِ الدروس والعبر من هذا المونديال. فالبطولة ليست مجرد أيامٍ تمر، بل مختبر مفتوح نرى فيه من نجح ومن لم ينجح ومن تعلّم ومن تكررت أخطاؤه.
في هذا المحفل العالمي، وقف المنتخب الياباني مرة أخرى كأفضل ممثل آسيوي، ليس بمعجزة، بل بنموذج يُدرَّس في جامعات الكرة.
بينما خرجنا نحن السعوديين بأسئلة ثقيلة، ليس عن أداء لاعبينا فقط، بل عن فلسفتنا الكروية برمتها. اليابان لم تتفوق وتنتقل للدور الثاني في هذه البطولة بقدرات خارقة، فالمواد الخام متشابهة في القارة الآسيوية. لكنهم سبقونا بعقود في شيء واحد: تحويل الكرة إلى علم وهندسة، لا إلى انفعالات ومجاملات.
نحن واليابان تقابلنا عشرات المرات، وتقاسمنا ذات التصفيات، وواجهنا ذات المنتخبات. ومع ذلك، كلما انتهى مونديال، نجد اليابان تخطو للأمام بينما نحن نعيد حساب البدايات من جديد.
الفارق الجوهري أن اليابانيين ينظرون للهزيمة كبيانات يجب تحليلها، بينما ننظر لها كجرح يجب نسيانه بسرعة. هم يخرجون من كل خسارة بخطة تطوير محكمة، ونحن نخرج بخطة إعلامية لتبرير الفشل.
في مونديال كأس العالم 2026 رأينا اليابان تلعب بثبات انفعالي مذهل، حتى وهي متأخرة في النتيجة. هذا لم يأتي من فراغ، بل من برامج نفسية وذهنية ترافق اللاعب منذ سن الثانية عشرة، تعلمه كيف يتحكم بمشاعره قبل قدميه.
قارن هذا بواقعنا: لاعبونا ينهارون تحت الضغط، ويتأثرون بصفارة الجمهور أكثر من تأثرهم بخطة المدرب. نحن نبني لاعبين أقوياء جسدياً لكنهم هشّون ذهنياً، واليابان تبني لاعبين متوازنين في كل شيء.
احتكاكنا المستمر بهم في آسيا كان يجب أن يكون أعظم كراسة تدريب لنا، لكننا تعاملنا معه كعدو يجب هزيمته، لا كأستاذ يجب الاستفادة منه. الهدف ليس الفوز على اليابان في مباراة هنا أو هناك، بل الوصول إلى مستوى يجعلنا ننافس العالم كما تنافس هم.
نحن نملك دورياً أكثر إثارة وجماهيرية من دوريهم، لكنهم يملكون لاعبين يلعبون في أوروبا بأعداد تفوقنا بعشرات المرات. هذه ليست صدفة، بل قرار استراتيجي اتخذوه منذ التسعينات: إما أن نُخرج لاعبينا للعالم، أو نبقى نلعب لأنفسنا.
في المقابل، نصرّ على احتكار مواهبنا في دورينا، ظناً منا أن الأموال تعوض نقص الخبرة العالمية. لكن مونديال كأس العالم2026 أثبت أن اللاعب الذي لم يذق مرارة الاحتراف والصراع على البقاء، لا يصلح لمواجهة عمالقة الكرة.
كما أن اليابان بنت منظومة تدريبية متكاملة، ليس فقط للاعبين بل للحكام والمدربين والإداريين. نحن نغيّر المدربين كل عامين، بينما هم يمنحون مدربيهم خمس سنوات لتنفيذ رؤية، لأنهم يعلمون أن البناء يحتاج وقتاً أطول من سباق السرعة.
هنا يأتي السؤال الأهم: لماذا نصرّ على أن نتعلم من أوروبا وأمريكا الجنوبية، بينما جارنا الآسيوي نجح بموارد أقل وفكر أقرب لثقافتنا؟
ربما لأننا ننظر لليابان كمنافس، بينما يجب أن ننظر لها كنموذج تطويري يصلح لنا، بل ويناسبنا أكثر من أي نموذج غربي.
المشاركة في مونديال كأس العالم 2026 انطوت صفحاته، لكن دروسه ستبقى نقشاً في جبين كل من يريد التطوير الحقيقي. اليابان لم تأتِ لتصطاد البطولات، بل جاءت لتعيد تعريف كرة القدم الآسيوية، ونجحت في ذلك دون ضجيج أو مبالغات. أما نحن، فما زلنا نبحث عن حلول سحرية في كل مونديال، وكأن النجاح صدفة، والفشل مؤامرة.
آن الأوان لنعترف أن الخلل في جذورنا الكروية، وأن الطريق إلى منصات التتويج يمر عبر مختبرات التطوير لا استديوهات التحليل. لأن الهدف ليس أن نتفوق على اليابان في مباراة، بل أن نبني كرة سعودية تنافس بثبات، وتفشل بكرامة، وتنهض بوعي. أمامنا أربع سنوات على مونديال 2030، فهل نبدأ اليوم في كتابة فصل جديد من التغيير الحقيقي، أم ننتظر حتى تنطوي صفحة أخرى ونعيد ذات الأسئلة؟
** **
أكاديمي وكاتب - أستاذ إدارة الأعمال بجامعة الطائف













0 تعليق